العرب نيوز أخبار العرب كل العرب

 

 العرب نيوز ( رؤوس - اقلام ) بقلم لورا القطريب - حملت فأسا ورحتُ أقرع باب قلبي المقفل لدهر كامل، وصرخت: "إفتح! لسان الشمس الغاضبة لا يرحم يلتهمني والجفاء يمتص رحيق الحياة بي".
ضقت ذرعاً، كُسرتْ الفأسُ وتجرّحت أنامِلي دون أن ألقِ جوابا. 
رفعت يداي فوق قبور الأرض؛ لأنجي روحي التائهة في خِضمِّ اليأس، عبثا حاولت فيما المفتاح ابعد عن يدي من تاريخ عمري.
انتحبتُ حتى سئمتُ أنيني وبُحّت أوتارُ صوتي، فهويت بجسدي على عتبةِ البابِ الموصد بمفتاح أقوى من قناعتي بأن لا فرق بين الحياة والموت.
تجمّعت بنات آوى داعيةً بعويلِها وحوشَ الأوديةِ إلى وليمةٍ هائلة يملأون أجوافَهُم الفارغةَ من لحمي، وارتاحت الأرضُ لثرىً سيرجع إلى رحمها لتحبلَ بأرواحٍ تجئُ منَ العدمِ. 
تفتّحت عيونُ الناس والتفت من حولي أجيالٌ يُرقِّعونَ قلوبَهم المثقوبةَ غليلاً من آلامي، وتهلّلتْ بدويةُ الصحراءِ الملفّحةُ بِخِمالٍ أشبهَ بالظلامِ ... كالحياة ساخرةً: " كالنخلةِ في الصحراء لو اكتفتْ دون الخبط على الأبواب!" وزرعت خطاها آفاقا ً ترش الشمسُ الأنوارَ َ على أرضٍ تقبّلُ أقدامَ البشرِ وتفيض ضغينةً تغذّي أبدانَهم.
إستنجيتُ الحياةَ ، رفضتني، واسترحمتُ الموتَ فمقتَني ... ذاكَ السّرُّ الذي لا يعرفُه إلّا الموتُ. 
ارْقِدي يا روحي وارحميني، فالألمُ مريرٌ والحياةُ كقلوبِ الناسِ، تقتُلُني، ولم تبقَ إلّا برهَةٌ وقف الزمانُ عندَها مُشرفا بين هيكلِ الحياةِ وهاويةِ الرقادِ.
حيّةً مُتًّ والحياةُ أمامي تُقَبِّلُ جسدَ طِفلٍ فِطْرِيٍّ تؤجَّجُ في صدرِهِ أنفاسَها، فيما الظَّلمةُ توشِّحُ النورَ في ناظِرَيَّ. إذا ببريقٍ في مدمعٍ لألأ، وراح يقذف بجسدي الجامد نحو مرجةِ البَقاء. فتمتمتُ: "دعني من ضوضاء العمر يا أغرب من الخيال! أتعبَ من الأمواجِ على صدورِ الصخورِ روحي. أتركني أغمض جَفنَيَّ في سكوني! ... ألم تكتفِ أيها الدهر من إشقائي؟ أفتقد مطامعَ غرائزِكَ والحِقدُ يحتلُّ مرقِدَ أحلامي. فامْضِ وكنْ في سبيلك." فلمس كالنسيم خدي، وراح يوقظُ العطف بيَ ليضمدَ مكامن الجرحِ في فؤآدي هامساً:
"اسكتي! يا لسحر السكون في وجهك! هبّت المفتاح بيدك". أوقفني وبيد ضمَّ رأسي إلى صدره، فارتعدت السماء وهبَب العواصف وزلزلت الأرض من تحت قدميَّ وتفجَّرت البراكين من حولي لدى سمعت بين ضلوعه ساعةُ العمر تنبِّهُني لِلّحظةِ التي أحيا.
رفعت رأسي من عزة الروح وفتحت فاي لأبوحَ بسرٍّ، لكنه بعذوبة هتف: "إياكِ إيقاظي! دعيني تائها بسكرة حملتني وحطت بي حيث صرخات الحنين تًصحي غذَ التاريخِ قبلَ فجرِه".
إلتفت نحو الأفق ووقال:
هيَا بنا من نبعة الوجود نرتوي ونستلذُّ بنشوة عبير الوجود، وإيّاكِ احتسابَ الأيّامِ في ربيعِ المدى، فعصرُ الحياة مُقبلُ لينتظرَ الوجود على منعرَجِ الفردوسِ والعدمِ. همستُ: "حبيبي"، فسألَ:
"كيف لَكِ أن عَرَفتِني ولم ترَني عيناكِ؟ ... سمعتِ لحني ونغمي بدونِ وترٍ؟"، فأجبتُ": "رأيتُكَ لأنَّ قلبي يُحِّسُّ، وسمعتُ لحنَكَ لأنِّي منك أحوَجَ لِنغمٍ صادقٍ يجعلُني أحيا حُلُمَ الّليلِ ، وأصحو لقرقعاتِ الصبيحةِ ترسِلَ القيدَ الى الراقدينَ.
أيها الحبُّ، متوجُ على عرشِ جيلِنا حيثُ يُبذِغُ الفجرُ في عالمٍ يوحِّدُ عهدَنا، وتستمعُ النفوسُ الى وشوشاتِ الأبدية وتفضحُ أسرارَ الّلاَّ نهايةِ". 
شدَّ بأصابعَهُ على يدي الداميةِ، وبدا كالسديمِ راعداً في داخلي صوتُهُ: "وديعَةُ بيدِكِ... بضَياعِها ضياعُ الحياةِ وتشرُّدُ الأرواحِ، سَجنُ الحرِّيَّةِ وصحوةُ الموتِ". وراحَ صوته يتلاشى في عمقِ الفضاءِ.
ذُعِرتُ وارتجف كورقةٍ في مهبِّ الريحِ جسدي وراح قلبي يتسابق مع زمن لم يكن بعدَ يلدُ.
فتحت يدي، فإذا بجوهرة تشعُّ كعين الشمس لدى بذوغِ الفجرِ، فصُحتُ: "لا ... أنا لست بجديرة للحفاظ على ُجوهر الحياة، لأنَّ الضُّعف يشِلُّ أركان حكمتي. آدميَّةُ أنا، والموتُ يزخرفُ بأرياشِهِ دُروبي.
وكان صدى صوتهِ يلتَطِم بين الأوديةِ: "الجواهرُ حقيقةُ لا تلمعُ في الأيدي". واختفى صوته نحو الأبدِ، أيقظني صداهُ من حُلُمٍي، ووجدتُني أرتوي من تلك النبعة التي ينعكِسُ على صفحتِها وجهُ البدويةِ المُبتسمةِ في حلَّتها البيضاءِ لتذكِّرَني بوصيّةِ أُمِّي:
"وهبتُكِ ما وُهِبتُ يا بنيَّتي من حياة. أقططفي من بساتينَها ما يسدُّ جوعَكِ ومن معالِمَها ما يزوِّدُ حِكمَتَكِ. وكما دونَ مُقابلٍ وُههِبتِ، فبدونِ مقابلٍ لا تبخُلِي بعَطائِكِ حُبّاً بالحياة، لأنَّ يا بنيّتي ثروةَ المرإِ غِنى روحِهِ وَضُعفُهُ جَهلُهُ بأنَّهُ حتّى بالموتِ على الموتِ ينتصر وأنَّ الموتَ ليسَ إلّا صَوْمَعَةً لِعِشْقِ الحياة".