العرب نيوز ( قراءات ) بقلم د. فائزة عليلو - لعل الحضور لا يكتمل إلا بوجود الأنثى في شعر رياض الدليمي،  إنها تجسد عنده رغبة بالاحتواء و الانصهار عبر عوالم خيالية تعبق بالحلم، حين تتشابك الصور وتتكاثف
المجازات لتخلق لدى المتلقي فضاءا شاسعا من التخيل الخصب لما ينبغي أن يكون عليه الواقع مرفلا بمزيج من السحر و الجمال. فلماذا كانت المرأة محفزا لتعبير الشاعر عن ذاتيته  ؟ و لم كان غيابها يجعل الليل كئيبا يثير الحسرات ؟ بل كيف صور الشاعر حضورها كلوحة فنية تسحر الألباب قبل الأفئدة ؟ 
فيغرق الشاعر في حلم بديع و يشدو بعشق لا ينتهي، يقول الشاعر: 
أنت لم تحضري المشهد .... و لم تأت بولدانك هنا ...... ربما اعتكفت تعصرين النبيذ ..... أو تزينين الأرائك لسهري ...انشغلت بترتيل الشكر .
اللهفة تطوق الشاعر شوقا، فيطرح تخمينات عن موعد مؤجل، بأسلوب يسافر بالمتلقي إلى عالم الخيال الخصب، أتراها تهيئ الفضاء و المكان و الزمان للحظة تسكر الأنفاس و تنعش الذكرى بعشق أثيري حالم، لكن لحظة التمنع تكسر جذوة اللهب و الحنين، يزيغ القمر، و تنشق هوة الغياب و الصبابة، بصور مغرقة في الجمال :
سألقي كل آهاتي بالفراغ ... و أزرع وردة بجثة التوبة
سأسافر مع أحزاني إلى بحار البنفسج ... و أطرز أذيال الخيبة بتاج الأميرات .
بهية لحظة الولادة، حين يصير القصيد توأما لرغبة الشاعر في اجتياز كل المآسي ومعانقة الفرح و الجمال بدفء و حنين. يطرح الشاعر معاناته في قالب شعري كله رهافة فيعبر به إلى عالم الجمال الساحر و البوح الشفاف، يحاور شهرزاد و يحكي لها عن الآهات، شهرزاد الأنوثة و الاحتواء، بل يحكى حتى للأميرات عن لظى عذاباته و أنين مكابدته، فيرتفع تأوه الشاعر و لوعته عن عذابات العيون و الشغف و تمرد الشتاء. و من فرط ما يقاسيه من جوى، يعلن لحظة تمرد على أوجاعه و خذلانه، فيلقي بكل ذلك إلى الهوة السحيقة، و يخبر المتلقي بحالة وجدانية جديدة كلها طهر و بهاء لاحتضان الحياة والحب و التيه. 
النص الشعري يحفل بدلالات رمزية ثرية كشهرزاد و البنفسج و الأميرات... و كلها تعابير تروم الإفصاح عن مكنونات الشاعر و ذاتيته  التواقة للحرية و الحلم والانعتاق من شتى القيود المكبلة، و اللهفة للصبابة و الوجد عبر توظيف مكثف للمجاز المغرق في الخيال في جل الأسطر الشعرية تقريبا  و هو اعتزاز بشتى تجارب الحياة و رغبة ملحة إلى الانغماس في عوالم الجمال والسحر و الوله.
فالمرأة عند رياض الدليمي توازي الطبيعة في العطاء و البهاء كما في قصيدته "أمطريني بأحزان المساء ":
أينما وليت ... فعطرك لي ...لا تنهي عن أريج و تأتين بنفسجا،
من أية زهور أنت ... و بأية أرض نبتت ... لا تبخسي شهقاتي
كيفما وليت الروح ... أضحت رغبة من رعاياك ... و عشبة كم تمناها كلكامش .
فعنوان القصيدة دعوة مرهفة من الشاعر لمعانقة اللوعة بعشق أثيري يسحر الألباب، و ينسي تحسر المساء، فتغرق الكلمات في وصف المرأة الحلم، حين يطارده شذى عطرها الأخاذ، كأنها زهرة فواحة تأخذ بتلابيب أنفاسه، فيغرق في تمثل صور بديعة لوصف حسنها البهي .
ألم يعتصر و قرنفل يسكر و فواخت تهاجر، كلها صور تقطر شجنا، تجعل الشاعر يثمل من حنين الذكرى و وجع الفراق، ولجمال الروح حضور مهم رغم العتمة لما يستحضر الشاعر الحبيبة الغائبة. و نفس المعنى يتكرر فتتوحد الدلالة بصورة موجعة موغلة في الانكسار كما يقول : 
كلما اتسعت نوافذ القلب ... تسللت الحبيبة
و راقص الجمر قلبي الموجوع ... مهشما قدسية الحروف .
إن القارئ ليكاد يتوه في شعر رياض الدليمي في تصور الأنثى الحلم، فرغم ثبات الانبهار بالمرأة إلا أنها متغيرة تبعا لأهواء الشاعر و رغباته. فهي تارة عراقية و تارة أخرى أندلسية بل قد تكون فارسية لتبدو كائنا متغيرا بكل المقاييس تبعا لخيال الشاعر ، كما في قصيدته " احكمي بسطوة عطورك " ، لاسيما و هو القائل في مستهلها: 
أبحث عن امرأة  ... تعلمني كيف أعبث بالنار
كيف أرتب طقوسي ... كحطب الذكريات
و هشيم الخطوات ... تعلمني كيف أصبح عاشقا .
فالمرأة بوصفها مثيرا و القصيدة بوصفها استجابة لهذا المثير غير الثابت الشديد التنوع و التبدل و التغير تجعل كل حركة منها توحي بآلاف الصور، فتفنن الشاعر في رسم اللوحات الفنية بالكلمات و يشكل صورا تضفي على حركاتها و روحها وسكناتها جمالا لا يضاهيه أي جمال، فيقول:
سأمطر برضابي ... فوق القمم الوردية
يا امرأة ... فجري البراكين ... زلزلي خوفي .. اقبضي على كل السنين .
و تظل حلما جميلا تارة و وجعا تارة أخرى، فيبث لها الشاعر أحاسيس عشق وحنين على ناصية ذكرى لا بديل له عنها، فيقول: 
أنا نورس أحوم على أفلاكك ... ألملم وجهي بأذيال الحنين ... و ارتجاف معصميك .
و أحيانا يحلق الشاعر بعشق إلهي بهي لما يتوه بين حب الملكوت السرمدي، وانجذابه لعالم الأنثى المفعم بالإثارة و الافتتان، فتمتزج الآمال و الرغبات عنده، و هو القائل: 
احلقُ فوق مديات قوسِ قزح ... اعشقُ أَنهارَ الله ... وبلادتي الزرقاء ... وفجيعة المعابد
ورصعات وجنتيك ... أقرأُ سِيَّرَ الأنبياء ... أتوقُ لسلطانٍ لا يرحمْ
وشهوةِ العذراوات لربيع قادم .
 
فالشاعر يسبح في تجليات الملكوت بعشق وجودي زاه، ثم يعلن الإعجاب بأنوثة تطفح بالعنفوان و الحسن، عبر توظيف صور انزياحية راقية تبحر بالمتلقي في عالم التخيل المبهج. عسى هذه المختارات الشعرية تقدم رؤية عريضة عن المرأة بين الحضور والغياب في شعر رياض الدليمي، لتعبر القصائد بشعرية مميزة عن أنوثة تفيض بالحسن والعنفوان، ليبقى النص فضاءا منفتحا على شتى القراءات الدلالية و الفنية والجمالية.