الفنانة رولا ابو صالح

العرب نيوز (فنون - ادباء )  بقلم الزميل  أديب مخزوم - تشكل لوحات الفنانة التشكيلية السورية الشابة رولا أبو صالح، التي قدمتها قبل وبعد مرحلة دراستها، في مركز أدهم اسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق،
مدخلاً لاستشفاف جوهر الرسم الواقعي الدقيق، الأكثر ارتباطاً بالوعي والنمنمة التفصيلية، ولقد مارست تقنية الرسم الواقعي منذ بداياتها، وكانت ترسم الوجوه ومشاهد الطبيعة والعناصر الأخرى بدقة متناهية ، محققة بذلك درجات الشبه في بورتريهاتها بين اللوحة والأصل.
 إلا أنها في مراحل لاحقة أخذت تشعر بأهمية وجمالة اللمسة العفوية، التي تملص خلفيات لوحاتها من دقة الأداء الواقعي، وتمنحها حيوية لونية تتوافق مع منطلقات الاتجاه التشكيلي الحديث، الذي يبرز الحالة الانفعالية في خلفية اللوحة، بقدر الاهتمام بإظهار المنظور الضوئي والتمازج بين النور واللون والإضاءة المتدفعة في فسحات متفرقة من اللوحة. 
ومن أجل الاندماج مع قول " لكاندينسكي" جاء فيه: بأن الرسم هو ضرورة داخلية، كثفت في أعمالها الجديدة،  لمساتها وحركاتها اللونية في الخلفيات، وأخذت تعمل لتحقيق حالات المواءمة والموازنة بين الأشكال الطفولية المرسومة والخلفيات التجريدية، واتجهت ، لإظهار العفوية والاشراق اللوني، وبذلك تجاوزت هواجسها السابقة، في صياغة الوجه أو المشهد على الطريقة التسجيلية، وانطلقت في رحاب البحث عن أسلوب واقعي خاص بها، ويحقق عناصر الواقعية القصوى أو الواقعية السحرية ، التي نجد تجلياتها في ملامح الوجوه الطفولية وتعابير العيون، وفي تفاصيل وثنيات وألوان اللباس، وخاصة  لباس "الجينز" الذي تقترب في تجسيده من أجواء ومعطيات الواقعية الفوتوغرافة، وهذه الواقعية خاصة بها وحدها, وليست واقعية تقليدية تتشابه مع معطيات الآخرين، إلا أنها في صياغة خلفية اللوحة، تتجاوز تتجاوز الواقعية ، وتقدمها بلمسات تلقائية ومتتابعة ومتداخلة وسائلة احياناً، ومشحونة بتداعيات الحالة الداخلية، التي تبرز عبر حركات ولمسات ومساحات اللون التجريدي، ومن خلال هذا الدمج الحيوي بين الواقعية واللاواقعية في اللوحة الواحدة، تمتلك القدرة المطلقة، على ادخال مشاعر البهجة والفرح والسعادة، الى القلوب والعيون معاً .
وتبدو لوحاتها الجديدة ، زاخرة بمشاهدها الحميمية ،ومتفاعلة، في مظاهرها وإيماءاتها الواقعية، مع معطيات الذاكرة الطفولية المنفتحة على الاجواء اللونية المحلية، بوهجها وبريقها الضوئي، حيث ترسم بمنطق عقلاني، باحثة عن أناقة الشكل وإغراءات اللمسة المدروسة، وإيماءات التكوين.
والحنين إلى عوالم الطفولة، هو جز ء أساسي في لوحاتها وتصوراتها وتخيلاتها، حيث نرى اشاراتها ورموزها وعناصرها، تطل وبقوة عبر استعادة الأجواء المترسخة في الذاكرة والوجدان.
فمواضيع الطفولة تطل في لوحاتها كرمز لحلم مستعاد أو ليقظة رومانسية، لأنها تشكل المدخل لتسجيل سياق النغم التصويري المنضبط بأصول وقواعد ومعادلات جمالية  . 
وإذا نظرنا إلى طريقة معالجة الأطفال، نجدها تتجه في أحيان كثيرة لإطلاق الخيال، رغم اتجاهها في المقطع الواحد من اللوحة للوصول إلى نمنمة تفصيلية واعية وهادئة. 
هكذا نقع في لوحاتها الأحدث على أسرار ومكامن الجمال الطفولي، حين تحرك الجسد وتختبره وتبدل في وضعياته وإضاءاته وحركاته، وطرق معالجته من منطلق الحفاظ على الخط الأسلوبي، وكل ما تستلزمه اللوحة الواقعية من توازنات في التأليف والتلوين معاً، وهي في تنقلاتها من لوحة إلى أخرى ، تتجنب أسلوب القفز أو الانقلابات المفاجئة، إن لجهة معالجة اللون أو لجهة صياغة الخطوط، فاللون في عناصرها الواقعية، متدرج بانسجام، رغم المظاهر البصرية الجامعة بين الدقة والعفوية، وبين الكثافة اللونية والشفافية، وبين العقلنة والانفعال، بحيث نرى أن العناصر الواقعية الدقيقة، لا تلغي العفوية وانما تأتي مكملة ومتممة لها. 
وإذا أردنا تحليل الوجوه الطفولية، التي تجسدها رولا في لوحاتها الجدارية، نجد أنها تجنح نحو المثالية في محاكاة سمات الأصل، بوضوح وعمق وانسجام ، دون أن تدخل في اطار التأثيرات التسجيلية الاستهلاكية أو التجارية ، لأنها تعبر في النهاية عن بصمة أو أسلوب خاص بها، يستمد قوته من مقدرتها على رسم الأطفال، بوضعيات أو بجلسات مختلفة، ومن المدى العاطفي للمسة اللونية العفوية التي تعتمدها في تجريد الخلفيات، فخلفيات لوحاتها نجدها منفذة بعفوية وتلقائية، وبذلك تتعاطف مع جماليات بعض التقنيات الحديثة المغرقة في حداثتها وحيويتها .
هكذا تتفاعل مع الموضوع والتجربة، وتسير في إطار وهاجس متجدد، لإيجاد حلول جديدة للتأليف الواقعي الحديث ، من خلال البحث عن تغييرات في الوضعية أو في الجلسة المستمدة من حركة الجسد الطفولي ، وهي في الغالب تفضل رسم وجوه الأطفال النضرة، لأنها تحسن تلقي النور وتعكس رموز البراءة والنعومة في عالمهم الساحر .