العرب نيوز ( رؤوس - أقلام ) "أكثر من مهم" من أخطر ما مرّت وتمرّ به أوطاننا اليوم وأقبحه، هو هذا

التقوقع الملحوظ في سراديب «المثال»، والخوف من الخروج عليه، فيستحيل نوعًا من الايديولوجيا التي يحارب أصحابها كلّ مَن وما لم يتفق مع اطروحاتها فكريًّا. ويسقط هذا المثال على العقول إسقاطاً، كعنصر من عناصر البنية الفوقية التي افرزتها حركة العلاقات الانتاجية اجتماعياً، ليصبح تقويضه أمرًا عسيرًا ولو عملت البنية التحتية نفسها على نسف الأعمدة التي شيدتها ليقف عليها، بحسب تعبير «التوسير».
وقد أظهرت الازمات التي تعصف ببلادنا على مر العصور، أنّ اتخاذ فكر ما، مثالا يحتذى ويُعمل على ترويجه كحقيقة أحادية الجانب، غالباً ما كان ردة فعل أكثر مما هو فعل، ما يدلّ على أننا بشر انفعاليون ولسنا فاعلين، وهذا ما تؤكده الانتماءات العمياء على الصعيد الديني عمومًا والاسلامي خصوصا، حيث الايمان الذي يتبلور عاطفيًّا وانفعاليًّا أكثر من تبلوره عقليًّا، بالاضافة الى الارتماء في أحضان بعض الفلسفات الأخرى كمثال للخلاص في مراحل مختلفة، كالارتماء في حضن الماركسية أو القومية. وما التعلق بالمثال الا امتداد لتعلق الطفل بأبويه محققا رغبة الاعجاب بهما مرة والشعور بالحماية مرة أخرى بحسب التحليل النفسي، فيستحيلان قوة لا تقهر في نظره، حتى يتفلّت في مراهقته من شباكهما حين يرى أنهما ليسا على الصورة المرسومة لهما من قبل، ويبدأ البحث عن مثال أكبر وأعلى، يحمل تطلعاته بطريقة واعية، فيكون الله الذي اكتسب معلوماته عنه وتنمّط عليها عبر قوالب جاهزة من الحكايا والبيئة والاساطير الشبيهة بالاساطير التي كان الانسان يخلقها سابقا ليقلل خوفه من مداهمة أخطار الطبيعة العصية على الهزيمة، أو السقوط في مثالية الايديولوجيات الأخرى كالماركسية والقومية، ليصبح كل خارج على المثال كافرًا أو رجعيا أو عميلا...
وما نشاهده اليوم على الساحتين العربية والاسلامية من قتل وحروب قبلية متعششة في لاوعينا الجمعي منذ عصور ضاربة جذورها في عمق التاريخ، خير دليل على ما يحرّكنا غريزيًا، مسقطين على قواميسنا الحياتية ما يشبه الطقوس أو الغرائز الثقافية التي تصبح مع الأيام شعائر إيمانية وعقائدية ويصبح المسّ بها، نقداً وتحليلاً، ضربًا من ضروب الجنون والشبهة، وتلصق الاتهامات الجاهزة بصاحبها.
وبدلاً من الخروج من الواقع للبحث عن المثال، موظفين العقل في التنقيب عما يستحقّ هذا اللقب على غرار ما فعلته الشعوب الأوروبية بعد نهضتها، نرى روّادنا، خصوصاً الدينيين، ينطلقون من المثال الى الواقع، محاولين تجيير الواقع لخدمته، مصوّبين سيوفهم على كل عقل لا يتقاطع مع شعارات بلورتْها الغيبيّات، رافضين الملل والسأم مما حققوه من سعادة في حصولهم على مثالهم، بحيث تحويل السعادة الى جسم يجعل صاحبها ضجرًا منها كالنهر الذي يركض نحو السهل، فيبطئ حين يدركه ويتعكر ويصبح في أكثر مراحله قبحًا بحسب رأي جبران.

فمتى الخروج على المثال وإعادة النظر في أسسه؟ متى يصبح الواقع هو الحقيقة الأساسية وكل مثال لا ينبثق من الواقع يحتاج الى تعديل وتغيير واعتراف بعدم استحقاقه هذه الصفات السامية؟ وليس الخروج على المثال هدماً لكل شيء أصيل أو قديم. إنما ما نحتاج اليه هو تشذيب تراث وحكايات تاريخية وفكرية تثبت التجارب انتهاء مدة صلاحيتها. ليس الانطلاق نحو الحداثة إفناء للقديم، بل إن الاتكاء على عصا الماضي ذو دور ايجابي، فكلما شددنا سهم القوس نحو الوراء أكثر كانت أهدافه الامامية أبعد. فليس من نهضة ذات أثر كوني قد حصلت الا واعتمدت على الماضي البعيد للوثوب نحو أفق أكثر رحابة. النهضة تعني الإتيان برموز سابقة الى عصرنا وليست اعادة العصر الى زمان أولئك الرموز.

ألم يعُد الرسول محمد(ص) الى ملة ابراهيم(ع) ليقفز من فوق جهل الماضي القريب والحاضر نحو مستقبل حضاري أفضل؟ فلماذا أوقفنا تلك النهضة عند ولادتها متغافلين مناسبات شعاراتها التي تنسجم وطبيعة الحياة حيث نزول السور والآيات؟ وهل ما قاله ماركس في القرن التاسع عشر آية مقدسة تصلح لكل عصر ومكان؟ فاستحالت الماركسية ايديولوجيا فيها من المثال ما يجعلها تطرّفًا. فانقلب الماركسيون على فكرة ماركس الأساس وهي تحديد الواقع الاجتماعي لوعي الناس عبر الممارسة (البراكسيس).

فتخلوا عن ذلك وراحوا يروّجون للايديولوجيا في مجتمعات غير مؤهلة لاستيعاب مثل هذه الأفكار، مروّضين الواقع للتكيف مع الجديد متغافلين عن ضعف الوعي البشري وقصوره عن تحمّل ما ينادون به، كما فعلت الافكار الدينية في العديد من المجتمعات؟ وهل بقيت القومية مثالا للعروبة والعرب بعد ما اقترفته من هزائم وحكم لا يتجاوز حدود الكرسي؟ أليس شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" تكريسًا لديكتاتورية فيها قمع أي صوت آخر، حتى لو كان معاديًا لإسرائيل؟ كل هذا يحتاج الى نفض الغبار عن جسمه والغسل بالزيت والكبريت.

لم ترم شعوب النهضة الأوروبية ماضيها جانبًا ولم تتخلّ عنه بشكل قطعي، إنما رمته بالاتهامات وحمّلته مسؤولية حروبها وتخلّفها، عبر نقد ذاتي استفاد نقاده النهضويون من الماضي تاريخًا وأدبًا وفكرًا للقفز نحو الأمام.

إن بلادنا، وبرغم الغيمة السوداء التي تعتصر الوجود دماً ورؤوساً وقتلاً، قد تفاجئنا بوثبة شبيهة بوثبة أوروبا بعد محنة تلتقي ومحنتنا في الكثير من النقاط، وذلك بعد قراءة التاريخ جيداً، وملء ما ينقصه وإزالة ما هو زائد على صفحاته. أمتنا تحتاج الى الاعتراف بعدم قدسية المثال، والواقع يحتاج الى مَن يهتم به بحثاً عن المثال وأصحابه. أمتنا تحتاج الى الخروج من سياج الأسماء، والأحداث المشكوك فيها والتي أُتخم بها تاريخنا ليزيد الشقاق وتزداد مقومات الجهل. ففي القرن الحادي والعشرين، ما الذي يمكن أن يفيدنا من خلافات أورثنا إياها التاريخ؟ ماذا يفيدنا ما حصل بين الخلفاء بعد الرسول إذا كان قد حصل فعلاً