العرب نيوز ( رؤوس - أقلام ) بقلم أ/ إبراهيم ناصر الجرفي - من المعلوم أن التعصب بشكل عام ، من الصفات الانسانية السلبية ، لأنه يقود إلى سلوكيات غير حميدة ، ونتائجة غالبا ما تكون سلبية ، وذلك لما للتعصب من تأثيرات غير ايجابية على النفس البشرية ،

حيث يحجب عن العقل رؤية الحقيقة المجردة ، ويدفع الإنسان إلى القيام بتصرفات سلبية وعدائية خارجة عن إرادته وسيطرته ، وهو بذلك يذهب بالإنسان بعيدا عن الموضوعية والعقلانية ..!! 
 
 ويترتب على ذلك وقوع الإنسان المتعصب في براثن الضلال ، وقد يصبح بذلك أسيرا لفكرة ضالة أو لرأي منحرف ، ولا تتوقف آثار التعصب السلبية عند هذا الحد ، بل قد تصل بالإنسان إلى دفع حياته ثمنا للدفاع عن تلك الفكرة الضالة أو للدفاع عن ذلك الرأي المنحرف ..!! 
 
لذلك نجد أن إبليس عدو الإنسان التاريخي يشجع ويحفز الإنسان دائما على التعصب ، وذلك لمعرفته بما للتعصب من آثار ضارة وخطيرة على دين الإنسان وفكره وحياته ، بينما نشاهد الدين الإسلامي ينهى عن التعصب ، لأنه يقود إلى التفرق في الدين ، قال تعالى (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ))  ..!!
 
وكان ولا يزال وسيظل ، الفكر الديني الناتج عن اجتهادات العقل البشري ، من أهم اسباب التعصب ، لأنه يتوقف على حسب الحالة النفسية لصاحب الرأي والإجتهاد ، فعادةً ما نشاهد الاجتهادات المتشددة والمتطرفة ، تصدر من أناس غير أسوياء نفسياً ، ونشاهد الاجتهادات المعتدلة والمتوازنة ، تصدر عن أناس أسوياء نفسياً وهكذا ..!! 
 
وأياً كانت الحالة النفسية ، والحالة الاجتماعية للعاملين في مجال الفكر الديني ، لا يمكن أن ترتقي أفكارهم الصادرة عن العقل البشري ، الى درجة الكمال والوصول الى مرتبة الحقيقة المطلقة ، وتظل في مرتبة النسبية ..!!
 
لأن الحقيقة المطلقة ....... 
لا يمكن أن تمتلكها مخلوقات أيا كانت طالما وهذه المخلوقات معرضة للفناء والزوال ، ومن يمتلك الحقيقة المطلقة ، يجب أن لا يكون معرضا للفناء والزوال ..!! 
 
وبذلك فإن الذي يمتلك القدرة على البقاء والاستمرار ، وليس معرضا للزوال والفناء 
هو من يمتلك الحقيقة المطلقة ، قال تعالى (( كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )) ..!! 
 
وبذلك فإن من يمتلك الحقيقة المطلقة ، هو الله تعالى ، وبالتالي فٱن كل ما جاء من الله تعالى ، يجب الإيمان به كحقيقة مطلقة ، لا مجال للنقاش فيها أو الجدال ، وكيف يمكن للفاني والزائل ، أن يناقش أو يجادل ما جاء من الباقي ، والأزلي ، والدائم ..!! 
 
وبذلك كل ما نزل من الله تعالى ، هو ما يستحق التعصب له ، ويكون ذلك التعصب بالإيمان المطلق به تعالى ، وبكل ما جاء من عنده ، من رسل وكتب سماوية ، وآيات وبينات ومعجزات ، ومن خلال الإيمان المطلق بأنه تعالى وحده الخالق المدبر لهذا الكون ، وأنه وحده من يستحق العبودية والتقديس والتعظيم  ، ومن التعصب لله تعالى الرفض المطلق لإشراك آحد غيره في الألوهيه ، أو العبادة ، أو التقديس أو التعظيم ..!!
 
وبالتالي فإنه ليس من الحكمة والعقل والمنطق ، التعصب للأفكار الدينية الصادرة عن اجتهادات بشرية ، وكل ما نتج عنها من مذاهب ، وفرق ، وأحزاب دينية ، لأنها تظل اجتهادات بشر معرضون للفناء والزوال ، ومن هو معرض للفناء والزوال ، تكون اجتهاداته وأراؤه وأفكاره معرضة للخطأ والصواب ، ولا يمكن أبداً أن ترقى إلى درجة الحقيقة المطلقة ، كما أن من هو معرض للفناء والموت والزوال ، لا يستحق بأي شكلٍ من الأشكال ، أي نوعٍ من التقديس ، أو التعظيم ، وطالما والأمر كذلك فٱن التعصب لاجتهادات البشر المعرضون للفناء ، والموت ، والزوال ، يكون عمل غير عقلاني ، وغير منطقي ..!!
 
ومن المعلوم بأن ........ 
هناك قواعد ثابته في الدين ، يجب الايمان بها كما أنزلت ، وخصوصا فيما يتعلق بالمعتقدات والإيمانيات ، ولا يجوز الاجتهاد فيها مطلقا ، وهناك قواعد غير ثابته ، وخصوصا فيما يتعلق بأمور الناس الحياتية اليومية المتغيرة بتغير الزمان والمكان ، والتي جاءت على صورة قواعد عامة ، لتكون التفاصيل والجزئيات متروكة لاجتهاد العقل البشري ، وهذا ما يعطي تلك القواعد ميزة المرونة ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان ، حتى تتناسب مع احتياجات الناس المتغيرة بتغير الزمان والمكان ..!! 
 
وبالتالي فإن الاجتهادات البشرية حولها تكون متعددة لأن كل مجتهد ينظر إليها حسب ثقافته الدينية ، وحسب ثقافته الحياتية ، وحسب حالته النفسية ...الخ ..!! 
 
لذلك تتعدد الآراء والاجتهادات ، وهذا ما يدفعنا للقول بأنه ليس من العقل والحكمة التعصب لتلك الاجتهادات البشرية ، والمذاهب الدينية ، هي عبارة عن أفكار ، ناتجة عن اجتهادات العقل البشري ، وبالتالي ليس من العقل والمنطق التعصب لتلك المذاهب والفرق الدينية ..!! 
 
والطريقة السليمة والشرعية لكيفية التعاطي مع هذه الاجتهادات ، هي بمطابقة تلك الاجتهادات مع غايات التشريعات الاسلامية ، فما طابق تلك الغايات يمكن الأخذ به والتعاطي الايجابي معه ، وما تعارض مع تلك الغايات يجب رفضه ..!! 
 
ومن المعلوم بأن من اهم غايات التشريعات الاسلامية هي حفظ الدين ، والنفس ، والمال ، والعرض ، والعقل ، وكذلك تحقيق الخير والصلاح والسعادة للبشرية ، وبالتالي فما كان منها يحقق تلك الغايات ويدعوا الى الخير والصلاح ، والتعايش السلمي ، والسعادة للبشرية ، يجب الأخذ به ، وما كان يدعوا الى الفساد ، والشر ، والحروب ، والفتن ، والتعاسة للبشرية ، يجب تركه وعدم العمل به ، أيا كان مصدر تلك الاجتهادات ..!!
 
ومهما اقتربت تلك الاجتهادات من غايات التشريعات الاسلامية ، فإنها لا ترقى إلى درجة التقديس ، وأن تصبح دينا يتعبد به ، لأنها تظل اجتهادات بشرية ، وتظل تلك المساحات التشريعية المتاحة لاجتهاد العقل البشري ، عُرضة للتغير الزماني والمكاني ، وبالتالي فليس من العقل والحكمة تقديسها وتعظيمها وجعلها من ضمن ثوابت الدين ..!!
 
وهذا للأسف الشديد هو الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الأمة الاسلامية ، حيث أعطوا اجتهادات أئمة المذاهب هالة من القداسة ، جعلت من تلك الاجتهادات البشرية دينا يجب التعبد به ، وأدى ذلك التقديس الى التعصب المذهبي ، وهو ما أدى الى انقسام الأمة الى مذاهب متصارعة ومتنافرة ، وما زاد الطين بله تدخل السلطة في دعم تلك التعصبات والانقسامات ، حيث كانت كل سلطة تدعم المذهب الذي يتناسب مع توجهاتها السياسية ..!! 
 
وبذلك زادت وتيرة التعصب بين أتباع المذاهب ، وللدلالة على تقديسهم وتعصبهم لتلك الاجتهادات ، سخروا وقتهم واجتهادهم للدفاع عنها وجمدوا عقولهم عند تفسيرها وشرحها وتوضيحها ، وفي دلالة على وصول التعصب المذهبي الى أعلى درجات التقديس هو قيام أؤلئك المتعصبين بإغلاق باب الاجتهاد والاكتفاء باجتهادات أؤلئك الأئمة ، وهو ما قاد الأمة الى الجمود والتخلف ، لأن اغلاق باب الاجتهاد هو تعطيل للعقل ، وتعطيل العقل نتيجته الطبيعية ، هي التخلف ، والجهل ، والتراجع الحضاري ..!! 
 
وهناك ما هو أسوأ حيث ذهب التعصب الديني والمذهبي ، ببعض فئات المجمتع الاسلامي ، بعيداً بعيداً عن العقل والمنطق ، فصاروا يؤمنوا بالخرافات والاساطير ، وينظرون إلى أئمتهم نظرة تقديس وتعظيم ، وصاورا يمنحونهم العصمة والقداسة ، وخصوصاً أتباع بعض الفرق الشيعية ، تاركين القرآن الكريم ، والعقل ، والمنطق ، والآيات ، والبينات ، والدلائل ، والمعجزات ، والعلم ، خلف ظهورهم ..!! 
 
كما أن كل مسلم مطالب بوجوب التفكر والتدبر في آيات القرآن الكريم ، قال تعالى (( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب آقفالها )) ، وهذا يعني أنه ليس من العقل والمنطق ، أن تأخذ كل ما تسمع من الآخرين ، بدون تدبر وتفكر ، فإذا كان الله تعالى قد أوجب على المسلمين أن يتدبروا في آياته المقدسة ، التي تحمل في طياتها الحقيقة المطلقة ، فإنه من باب أولى يجب على كل مسلم ، أن يتفكر ويتدبر كل الآراء والاجتهادات البشرية ، قبل أن يتعصب لها ، ويجعلها ديناً له ..!! 
 
والشاهد من ذلك ......... 
أن التعصبات بكل صورها وأشكالها ، هي التي جعلت الأمة الاسلامية تقبع في مؤخرة الركب الحضاري ، وأحرمتها من الابداع والمساهمة الايجابية في مسيرة الحضارة البشرية ، كما أن ما تعيشة الأمة الاسلامية وخصوصا الدول العربية من صراعات مذهبية واقتتال داخلي ، ماهو الا نتيجة للتراكمات السلبية لتلك التعصبات ..!!
 
لذلك فإن السبيل الوحيد للأمة للخروج من أزمتها الراهنة والتحرر من تخلفها الحضاري ، هو التحرر من التعصبات بكل صورها واشكالها ، وعلى الأمة أن تعلم علم اليقين ، أن كل ما تعانيه من سلبيات ليست الا نتيجة للتعصبات ، وتعطيل العقل ، وعلى المسلمين أن يدركوا أنه ليس من العقل والحكمة التعصب ، والاقتتال  والصراع , والٱنقسام الى مذاهب وطوائف ، واحزاب من أجل اجتهادات وأراء بشرية ، عرضة للخطأ والصواب ..!!
 
لذلك يمكنني الخروج من كل ما سبق بخلاصة هامة جدا وهي أن تحرير عقولنا وأفكارنا من التعصب الديني والمذهبي أول خطوة لنا في الطريق الصحيح  ، نحو البناء ، والتقدم ، والعمران ، والحضارة ...!!!!!