العرب نيوز أخبار العرب كل العرب

العرب نيوز ( شخصيات - عربية ) بقلم ميرنا عبد الحميد الشعار -  "من مآسي عصرنا الحالي ان تكون المرأة اليوم سجينة الحريات التي أُعطيت لها حيث انها قد نالت على بعض الحريات في مجال العمل خصوصاً الذي كان حكراً على الرجل ولكنها لم تنل المساواة في الحقوق والواجبات،لان الرجل –

في اغلب الحالات-لم يأخذ هو مكانها ولم يشاركها مسؤولياتها في البيت وتربية الاولاد فكأن الحريات هذه قد زادت من مسؤوليات المرأة ولم تنقصها فباتت تعمل خارج البيت وداخله وباتت اسيرته."
 
"لم اكن لاصل لأي شيء لولا دعم زوجي واولادي لي"
 
الدكتورة روزماري سليمان (من خلال مقابلتي لها سبتمبر 2016)
 
 
توقعت قبل ان أراها، وبعد مرور العديد من السنوات، ان تكون قد تغيرت. ان يكون قد تغير شيء ما فيها، توقعت مثلاً ان يبدو عليها علامات الكبر او ان تكون قد سمنت وخفت حركتها او –على الاقل- ظهور خطوط عريضة وجديدة على وجه "معلمتي" السابقة أو بالأحرى استاذتي السابقة في جامعة غرب سيدني، الدكتورة روزماري سليمان.
 
ولكن صفاء وجهها ورقته وجمالها الشرقي الذي ما برح مطرحه بين راحتيها فاجأني حين فتحت لي باب بيتها وكأن الزمان لم يمر بأصابعه القاسية على وجهها ولا رسم تجاعيداً ولا رهلّ من جلدها حتى وكأنها ما كبرت وما زالت روزماري الوردة البيضاء الطاهرة التي مر طيفها بيننا مرة ونحن طلاباً وعلق للابد بسبب حسن خلقها وأدبها وابتسامتها التي لا تشاء هجر وجهها. صوتها لا يزال رقيقاً، ناعماً، لا يعلو ابداً فوق صوت الاخرين، ولا زالت روزماري تلك الانسانة المتواضعة التي فتحت لي بيتها الكبير كقلبها الواسع كما فتحت لي ذراعيها من قبل وعلمتني وعلمت غيري وكان لها الفضل الاول في نشر تعليم اللغة العربية في مدارس سيدني وجامعاتها وفي اصدار العديد من كتب تعلّم اللغة العربية بالاشتراك طبعاً مع عدد من الاكادميين والفنانين ومربي الأجيال.
 
كم يشبهها بيتها، وكم تشبهها ذكرياتها المعلقة على جدرانه والمختبأة في خزاناته وجواريره حتى تكاد تشتم رائحته ممزوجاً برائحة الشاي المطعم بالنعناع الطبيعي الذي قطفته امامي من حديقتها الجميلة.
 
مؤمنة روزماري، مؤمنة بدينها وتطبقه بمعاملتها لغيرها وكرمها في التسامح مع الناس والتصالح مع النفس وصبرها والتأني في انتقاء الكلمات وأيضاً .. ضيافتها.
 
"لماذا لم ترضي ان نتعشى سوياً يا ميرنا؟" سألتني وكان يبدو عليها علامات الاستغراب وكأن كل من يطأ قدمه بيتها عليه أن يأكل ويشرب ويرتاح ومن ثم يتحدث، وهذه من العادات العربية التي ما زالت الدكتورة محافظة عليها ولم تنساها، فقد جاءت من بيئة كريمة، جذورها من مصر أم الدنيا، ولدت وتربتفي السودان حيث كان والدها المرحوم بولس سلامة (الملقب بالكيمي) هو المشرف الوحيد على تربيتها وتربية اخوانها (وحيدة كانت بين خمس أخوة) بعد وفاة والدتها وهي في سن صغير. لم يكن والدها انساناً عادياً بل كان اباً مثالياً بكل معنى الكلمة فقد تفرغ الى تربية اولاده ولم يفكر في الزواج مرة اخرى وكان محباً للعلم شغوفاً في تعلم اللغات واتقانها وكان له ولع في تعلم التاريخ وكتابة القصص والمقالات وله اعمال في ترجمة الكتب من الانكليزية الى العربية. كان مثقفاً ومتحرراً من التقاليد البالية التي تفضل الصبي على البنت، بل بالعكس، كان يقول لروزماري دائماً انه على المرأة ان تكون متعلمة ومستقلة وهي لا تقل عن الرجل بشيء ابداً، وكان هو الحافز الاساسي وراء وصول روزماري واخوانها الى رتب جامعية عالية ونيلهم كلهم شهادات الدكتوراه، فهو الذي زرع فيهم حب الله وحب العائلة وحب العلم. كما انه ربى على الفضيلة والاحسان واتقان المهنة التي يعملون بها فكان هذا واضحاً من تكريس روزماري كل وقتها وجهدها وعقلها وروحها في شؤون العائلة وعملها حتى انها نست نفسها –حسب قولها- ونست حتى الاستمتاع بالامور الصغيرة كمشاهدة التلفاز وغيرها من الامور التي نراها اعتيادية وجزء من حياتنا اليومية لكن بالنسبة لها كانت امور يندر حدوثها وتعتبرها ..هدية.
 
على مدى جلستين، حدثتني روزماري قليلاً وكثيراً، وكانت تفضل التحدث عن ما تعلمته من الحياة اكثر من الحديث حول نفسها. ومن مقولاتها التي اعتبرتها حِكم هي:
 
"اولويات الانسان خصوصاً المغترب ان تكون في البيت والاولاد أولاً ومن ثم اي شيء آخر."
"تغيرت المرأة ولم يتغير المجتمع والفكر في مجتمعاتنا العربية."
"أخذت المرأة دور الرجل وهو لم يأخذ دورها."
"أنصح في توعية المجتمع وتوعية الرجل وتربية الاولاد بشكل مختلف والجيل الصاعد ليس على اساس "قومي يا بنت واخدمي اخوك" بل على اساس المساواة والمودة والمحبة والتعاون في قضاء حاجات البيت الواحد وعلى احترام الاخرين لبعضهم."
 
"اذا الولد مولود في استراليا فليس هناك اي سبب يمنعه من تحصيل علمي يوازي اي شخص أسترالي آخر ويعتقد الناس خطأ ان الذي لديه لغة ثانية لا يستطيع تحصيل علوم اكاديمية عالية، وهذا معتقد خاطئ، ويجب ان يتغير لان العلم اثبت ان العكس هو الصحيح وان الذين يتقنون اكثر من لغة فهؤلاء عادة يكونون متفوقين في المواد الاخرى كالرياضيات والعلوم وغيرها."
 
وكمربية، فإن ما يشغل بالها دوماًهو علم وثقافة ومصير اولادنا واجيالنا القادمة فقد كان موضوعها فياطروحة الدكتوراه عن اسباب تأخر معظم أولاد الجاليات الاثنية اكاديمياً ولم تبخل علي الدكتورة ان تعطيني فكرة عن الاستنتاجات التي وصلت اليها وهي كما يلي:
 
- عدم تحدث بعض الاهل مع اولادهم بلغة سليمة سواء في الانكليزية او حتى العربية فهم في معظم الاحيان لا يتقنون اي اللغتين وهذا يؤثر على مستوى الطفل اللغوي ومدى ادراكه للمواد الاكاديمية الاخرى ايضاً عدا عن انها تسبب له مشاكل ايضاً في فهم هويته فيضيع ولا يعود يهتم بالجد والعمل لنيل الشهادات العلمية. لا تلوم الدكتورة الاهل كثيراً في هذا المضمار ولكنهاتشجعهم وتتمنى لو انهم يسعون الى تحسين مستواهم العلمي فيثقفون انفسهم ويتابعون علومهم ، قدر المستطاع، فطلب العلم لا ينتهي ولا يقف عند عمر معين.
 
- عدم تحدث الاهل مع اولادهم حول شؤونهم المدرسية وقد يكون هذا سببه انشغالهم في حياتهم ومحاولتهم تحصين بيوتهم عن طريق العمل المتواصل، ولكن الدكتورة تنصح الاهل في ايجاد الوقت للتحدث مع الاولاد والتعرف على ما يشغل اهتمامهم ويسعدهم والتقرب منهم. وتعتبر ان الاولاد الناجحين في دروسهم هم الذين اهلهم يهتمون بهم.
 
ومن الطبيعي ان يكون بحثها العلمي قد توصل الى نتائج اوسع قد لا يسع مقالنا هذا التحدث بتفاصيله لنعطيه حقه ولكن كان اجماله حول كيفية تطوير فكر اولادنا كي يصبحوا قادرين على نيل شهاداتهم وتحقيق امانيهم.
 
من اهم انجازات الدكتورة في المهجر هو عملها الدؤوب منذ خطت قدميها أستراليا وعلى مدى –على الاقل- ثلاثة عقود ان ادخلت تعليم اللغة العربية في المدارس الخاصة والعامة وحرصت على تحصيل منح من الدولةواهدائها الى المدارس والمؤسسات التعليمية التي كانت تعمل معهم بدون اي مردود او ربح مادي لها.
 
للدكتورة روزماري اهديها مقالي هذا واكثر لانها من السيدات اللواتي ثابرن وعملن بجد لتحصين بيوتهن وازواجهن واولادهن وجاليتهن على حد سواء فلم تبخل بوقتها ولا بعلمها وساعدت ولا تزال في بناء اجيال تعرفت على ارثها الثقافي واستندت عليها كمن يستند على صخر متين.
 
علمتنا ان نفتخر بلغتنا وان نحافظ على تراثنا وتاريخنا ونقدمه لاولادنا هدية لتساعدهم في معرفة هويتهم الحقيقية.
 
لك روزماري مني اصدق التحيات واعطرها. وعلى امل ان نكمل مسيرتك ونحمل شعلتك ونكون اصدقاء صادقين معك اوفياء لك بعد ان تقاعدت وقررت ان ترتاحي قليلا لتستمتعي بأولادك واحفادك وان .. تشاهدي التلفاز اكثر.