العرب نيوز ( رؤوس - اقلام ) بقلم الكاتب  شبل - الحملات الإعلامية دومًا ليست بريئة، وثمة تشكّك أولي يجب أن ينهض لكل صاحب عقل نقدي بخصوص الحملة التي استهدفت تعويم أحداث بورما منذ العام 2012،

على سطح المشهد في مواقع التواصل.. ونحن في معركتنا العربية مع قوى التطرف: أبناء القاعدة (داعش، والنصرة..)، قد اختبرنا نيران تلك الحملات المُهندسة بعناية والتي تصوّب نحو العاطفة بمهارة، كلما تقدّمت جيوشنا الوطنية في أي من معاركها، ولتلك الحملات رائحة تلتقطها الأنواف ببساطة، لو كان العقل مستيقظ، وفي كامل وعيه ولياقته، لكن لو حجبته العاطفة، فأقل صورة مُفبركة يمكن أن تذهب بصاحبها للجحيم!.
 
حتى نفهم ما يجري في بورما (ميانمار)، بشبه الجزيرة الهندية الصينية فى جنوب شرق آسيا، يجب أن نقرأه من خاتمته، حيث تتصدر بريطانيا (المحتل القديم لبروما والتي غادرتها في 1948) صدراة المشهد "الأممي" الداعي لإخراج قرارات دولية تدين الحكومة البورميّة، وتمهد لتدخل عسكري غربي هناك، لكن الصين، الجار الشمالي لبورما والتي تتخذ منها منفذًا على المحيط الهندي، وحليفتها روسيا، يعطلان تلك المساعي الأنجلو-أمريكية لركب موجة العواطف و"الإنسانويات"، التي في حقيقتها، تتناسب طرديًا، وعلى الدوام، مع المصالح الإمبريالية للقوى الغربية.
 
كانت تلك القرارات الأممية تمهّد لتدخل نهائي عسكري، يبدأ بإرسال لجان التحقيق والتفتيش، وهو سيناريو استهداف صار محفوظًا، والهدف هذه المرة ليس بورما فقط وموقع الاستراتجي، وإنما الفضاء الجغرافي الذي تعيش فيه، وجيرانها، وعلى رأسهم الصين، فوق ذلك، فإن دق الأسافين "الدينية" بين الشرق والشرق، مصلحة إمبريالية قديمة، ومن المفيد لأجهزة المخابرات الغربية أن يكره العرب أتباع "البوذية" جملة وأن تصير أنهار النار فاصلة بين الشعوب، حتى ولو كان للمخابرات الأمريكية مصلحة مع بوذيي التبت وزعيمهم الدالاي لاما الذي يُستخدم كورقة أخرى لإزعاج الصينين (في هذه المرة تّقدم الصين للعالم الغربي باعتبارها دولة "ملحدة" تقهر رهبان البوذية الروحانيين!)، فإنها -أي المخابرت الغربية- تتعامل مع المشكلات بالقطعة، وتراهن على أن العقول المحجوبة بفعل العاطفة وتأثير "الفيس بوك" وصفحاته المموّلة، لن تستطيع تقسيم القصة وقراءتها بعناية، وفهم كيف أن المبدأ، هو المصلحة في استدمار الآخر، لا أكثر.
 
 بحسب المخطط، فإنك ستخرج بنتيجة واحدة، وهي أن الصين وروسيا معها اللتان حالتا دون خروج قرار دولي لتكرار مأساة ليبيا في سوريا، عبر الاستهدف العسكري الخارجي المباشر، متحالفتان على دماء "أبرياء" في بورما، وشريكتان في كل تلك المأساويات التي تنقلها الصور المُفبركة، بما يعني أن القصة من الطبيعي أن ترتبط بعقاب الصين على دورها، ليس الاقتصادي فحسب، وإنما السياسي أيضًا ومن ضمنها موقفها في المعركة السورية.
 
منظومة الوهابية السعودية، ليست بعيدة أبدًا عن حالة بورما، والمنطقة المشتعلة فيها (آراكان أو راخين)، على الساحل الغربي على الحدود مع بنجلاديش، والقرب ليس فقط عبر طابور المشايخ الذين "يبكون" و"ينتحبون" عبر مواقع التواصل ويساهمون في تدوير الفبركات، وإنما عبر دعم عملي لبعض التنيظمات الجهادية، فبحسب تقارير لمراكز بحثية دوليّة فهناك حركة "سلفيّة جهادية" تسمّى "يقين"، وهي واحدة ضمن أخريات، ومتورطة في أعمال العنف شمال بورما، وهي تتلقى دعمًا سعوديًا، وزعيمها هو "عطاء الله" وهو من الروهينغا ولد في باكستان وهاجر إلى السعودية، وظهر في عدة مقاطع فيديو نشرت بعد هجمات للحركة في البلاد، وقد قضى عطاء الله عامين على الأقل يدرّب مئات المجندين على حرب الشوارع واستخدام المتفجرات وهو مدعوم بعشرين من الروهينغا ويملكون خبرة قتالية في مناطق نزاعات في العالم ومفتي مدرّب في السعودية.
 
في أكتوبر 2016، بدأت القوات المسلّحة والشرطة البورميّة، تنفيذ حملات لضبط هذه المنطقة، والتصدّي، بحسب تصريحات المسؤولين هناك، للحركات الإرهابية (في 25 أغسطس 2017، وبحسب فرانس برس، قضى نحو 71 فرد شرطة على الأقل في عملية إرهابية نفذها متطرفون من الروهينجا)، بحسب الأخبار، فإن القوات، كما عادة السلطات الأمنية، تتورط في أعمال عنف قاسية أثناء محاولتها ضبط الأمن أو تتغاشم بحيث يصدر عنها مخالفات وخروقات للقانون، وليس الهدف من ذكر هذا إثباته أو نفيه، وإنما عرضه في سياقه الذي يُفهم منه على وجهه الصحيح، حتى عند إدانته.
 
ما يجعل الوضع في إقليم راكان، قلقًا بالنسبة للحكومة أكثر من أي منطقة أخرى، هو أن أهلها، ليسوا منخرطين في المشروع الوطني بشكل كامل، والمجتمع هناك ينظر للروهينجا على أنهم غرباء من بنجلاديش، وقد سعت جماعات منهم نحو الانفصال، فعلا، مرتين الأولى: من 1947 وحتى 1961، والثانية في 1971، في المرة الأولى، كان بالتزامن مع انفصال باكستان عن الهند على أساس ديني، وفي المرة الثانية مع انفصال بنجلاديش "باكستان الغربية" عن باكستان "باكستان الشرقية"، وتلك النزعة الانفصالية، وانعزال الروهينجا عن المجتمع، سواء كان السبب منهم أو مضافا إليه ما ذكرنا عن النظرة إليهم، يجعل السلطات دومًا متحفّزة تجاههم وعنيفة، خاصة مع نمو تنظيمات دينية متطرفة بينهم والبعض يشير إلى أن بذور التطرف تعود للأربعينات والسبيعنات وليس اليوم فقط.
 
الروهينجا يعانون، وهذا صحيح؛ ويهاجرون بسبب الاضطرابات، وهذا مؤكد؛ ومحرومون من حقوقهم الكاملة كمواطنين.. وفي كل الأحوال، وجود تنظيمات متطرفة أو ساسة انفصاليين، لا يعني وصم شعب بالكامل، تعداده ما بين 800 الف إلى مليون تقريبًا.. وإنما ما يجب معرفته حتى نمد الخط على استقامته، بارتياح، أن الأرقام المهولة التي تتحدث عن مجازر ليست صحيحة إطلاقا، الأرقام المؤكدة فقط، تتحدث عن مئات، بينهم العشرات قتلى من قوات الأمن، أو من غير الروهينجا، وقد هجّرت الدولة منهم في الأيام القليلة الماضية فقط حوالي 4 آلاف، وحشرتهم في مساكن إيواء ودور عبادة، وهم مستاءون كذلك، بما يعني أن الأذى يصيب الكل، ولا أحد مُستثنى. وأن التعاطف مع الروهينج