العرب نيوز ( قراءات - تحليل ) تتسارع التطورات الميدانية والسياسية المرتبطة بالنزاع السوري، خصوصاً بعدما ضرب الإرهاب فرنسا، والطائرة الروسية وبرج البراجنة في لبنان، ولو أن أحداً من الدول الكبرى
لم يكن ليهمّه مصير اللبنانيين وحياتهم وأمنهم لو لم تضرب باريس، وكأن حياة الرجل الغربي الأبيض أغلى ثمناً وأكثر قيمة من حياة أهل الشرق أصحاب السحنة السمراء القاطنين في هذه البقعة الملتهبة من الأرض.
 ولعل من المفيد في خضمّ الحديث عن تنامي الإرهاب وانتشاره في العالم، أن يتمّ الحديث عن نواة ونشأة صناعة الموت هذه، واستخدامها كوسيلة غربية، منذ أفغانستان في الثمانينات من القرن العشرين، ولغاية سورية والعراق وكافة العالم العربي اليوم. وبحسب هيلاري كلينتون في أحد جلسات الاستماع أمام الكونغرس الأميركي، أنشأ الاميركيون "القاعدة" بالتعاون مع المملكة العربية السعودية، التي كانت مهمتها تأمين الجهاديين العقائديين، وعلى الولايات المتحدة مهمة التدريب والإمداد بالسلاح، والمساعدة العسكرية واللوجستية. وبالفعل، نجحت الخطة الأميركية، وبالتضافر مع عدد من العوامل المرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا الأفغانية، في إغراق الاتحاد السوفياتي في المستنقع الأفغاني وخروجه بهزيمة عسكرية، إلى أن بدأت "القاعدة" تشعر بفائض قوة وسيطرتها على دولة كاملة في آسيا الوسطى، فانقلبت على صانعيها وضربت أهدافاً أميركية في أماكن عدة من العالم، تمّ تتويجها بحادثة 11 أيلول 2001.
 انطلاقاً مما تقدم، ومن نجاح "القاعدة" في أفغانستان في المرحلة الأولى، هل يمكن للإرهاب ضد المدنيين أن يُعتبر وسيلة ناجحة في الحرب؟
 تشير المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وهي المعتمَدة بقوة لدى الدول كافة، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، إلى أن الحُكم على الظواهر السياسية يكون بمدى تحقيقها للنتائج المتوخاة منها، وليس بأخلاقيتها أو تطابقها مع المبادئ الإنسانية، لذا فإن الإرهاب ضد المدنيين كوسيلة يجب أن يُحكم عليه من خلال تحقيقه للنتائج المطلوبة.
 في البداية، حقق الأميركيون أهدافهم من إنشاء "القاعدة" في أفغانستان، لكن "التنظيم" في ذلك الوقت لم يكن إرهاباً معولماً متفلتاً من كل ضوابط، بل كان أقرب إلى المجموعات المسلحة التي تمارس قتال العصابات ضد جيش نظامي، وهي وسيلة ما زالت تُستخدم وأثبتت نجاعتها في الحروب اللامتماثلة، ولا يمكن اعتبارها إرهاباً، كونها تتخذ العسكريين هدفا لها، بل إن الارهاب المقصود هو الذي يتخذ المدنيين هدفاً له.
 في المرحلة الثانية، استغل الأميركيون الإرهاب "القاعدي" وهجمات 11 أيلول لشنّ حروب على كل من أفغانستان والعراق، وبعيداً عن "نظريات المؤامرة" التي تقول إن الأميركيين هم أنفسهم من أمر بشنّ تلك الهجمات لاستغلالها كذريعة، يمكن القول إن الإرهاب المتفلّت من الضوابط أضرّ بمن أنشأه وربّاه ودربه، ويمكن أن نذكر في هذا المجال أن المملكة العربية السعودية نفسها (مصدّرة "الجهاديين" والفكر الذي يحفّزهم) كانت قد تعرّضت للإرهاب والتفجيرات الانتحارية في الداخل بين عامي 2004-2008، وهكذا يكون الحكم على النتيجة المحققة من الإرهاب كوسيلة بأنها سلبية.
 أما المرحلة الحديثة من الإرهاب المتفلت، فهي نشوء "داعش" وقيامه بعمليات انتحارية ضد المدنيين في العراق، ثم إنشاء المجموعات الإرهابية الأخرى التي استغلها الغرب وبعض الدول الإقليمية لضرب أسس الدولة السورية وتركيع النظام السوري للوصول إلى انهياره، والتي تمددت لتضرب في لبنان وتدمي المجتمعات العربية كافة؛ من المغرب العربي إلى مشرقه.
 في بداية هذه المرحلة استفاد المحرضّون والممولون من الفوضى والدمار في سورية للاختراق ومحاولة تقويض أسس الدولة السورية، لكن النتائج الحقيقية والفعلية للإرهاب ضد المدنيين وبعد سنوات خمس من الموت، لا تشير إلى نتائج ملموسة في انهيار النظام السوري، أو في دفع المقاومة اللبنانية إلى الانسحاب من سورية على وقع الضربات الإرهابية في بيئتها الحاضنة في بيروت، ولم تؤدِّ إلى انهيار مصر أو تونس أو غيرها.
 واليوم، انتقل الإرهاب المدرك أن أيام استخدامه كوسيلة باتت معدودة، وأن مشغليه ومموليه سيتخلون عنه على طاولة المفاوضات في فيينا، إلى ضرب مَن اعتقدوا أنهم بمأمن منه، لاعتقادهم أن الخدمات الكبرى السياسية والإعلامية والعسكرية، والجسر الجوي الذي أمّنوه من أوروبا إلى سورية، كافية لدفع خطر انتقامه عنهم، فكان 13 تشرين الثاني الدامي، والكلفة الفرنسية العالية من الضحايا الأبرياء.
 وهكذا، وفي التقييم بين الأكلاف والأرباح المحققة في استخدام الإرهاب ضد المدنيين كوسيلة، يمكن القول إنه وسيلة غبية، إذ إن كلفته أعلى بكثير من النتائج المحققة منه، فالإرهاب ضد المدنيين يوجع الخصم ويؤلمه لكنه لا يحسم معركة، ولا يؤدي إلى انهياره، بعكس المجموعات المسلحة التي تستخدم حروب العصابات ضد جيش نظامي، فتشلّه وتؤدي إلى هزيمته، وها هم الفرنسيون يدفعون ثمناً باهظاً لوسيلة اعتقدوا أن تجربتها سهلة وغير مكلفة، بينما الدرس الأميركي ماثل أمام أعين الجميع.