د.محمد نبيل كبها : الكاتب المزيف وموت المؤلف
- العرب نيوز ( رؤوس – أقلام ) / بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د.محمد نبيل كبها – في القرن الواحد والعشرين، أصبحت الكتابة مجرد جمع مادي وتركيب آلي فاقد لما يسمى ب”الروح”، حيث لا ينبثق النص من ألم التجربة أو الوعي فيها، أو من الخبرة الوجودية والتمرس الفلسفي فيها، بل من محاكاة مزيفة لإحلال الواقع وهدم المعنى.
- نعيش اليوم في قناع الحرف المغشوش، حين يبيع الأديب والروائي والكاتب الوهم للجمهور، هذا الكاتب المُلفِّق والذي يُجبرنا على الوقوف أمام بركان فكري وإعصار فلسفي يجُس واقع الكاتب ويمس حقيقة وجوده؟!
- كيف لا، وهذا الكاتب المزيف يهدد كينونة الكاتب الحقيقي ويخلخل وظيفته، حيث بات بإمكان كل من يدعي الأدب والثقافة وأنه كاتب أن يُصدر عشرات النصوص ومئات المقالات والكتب الكاملة بنقرة واحدة! باستخدام تقنية رقمية متطورة -الذكاء الاصطناعي- تحاكي العقل البشري لتنفيذ مهام الكاتب الحقيقي.
- هناك مفهوم يُدعى “مفهوم ملكية النص” والذي يتحدث عن تحرر النص، وأنه أصبح مُلكا للقارئ، ولم يعد مُعيّناً برأي الكاتب الأصلي، حيث يُصبح المعنى متحركا، وهذا ما يُعرف ب “موت المؤلف”، ولقد تحدث الفيلسوف الفرنسي “رولان بارت” حول ذلك بأن النص يعاد ولادته في وعي القارئ بعد موت المؤلف.
- ولكننا -ومع الأسف يا بارت- لا نتحدث عن كاتب ومؤلف موجود، بل عن كاتب ومؤلف لم يولد أصلاً!؟
- نشاهد اليوم العديد من الكتاب المزيفين الذين ولدوا عبر ماكينة رقمية هم ونصوصهم التي يتم ترتيب حروفها دون لغة أو لمسة فلسفية، أو حتى أي أدنى اختبار حسي لهذه الكلمات. وأصبح ارتقاء الكاتب الوهمي -كعلامة فارغة- عبر منصات التواصل الاجتماعي وحصوله على التكريمات والإنجازات أمر يسير، فلا يتطلب الأمر سوى كبسة زر، مستفيداً من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتراجع الوعي النقدي لدى العامة.
وهذا ظلم عظيم أن يقارن الكاتب المزيف بالحقيقي!؟ وكارثة كبيرة أن يقاس وهم الإنجاز بالإنجاز الحقيقي والسواد الذي قضي بين بطون الكتب!؟
أقولها بالفم الملآن.. نحن نعاني من “العقم الإبداعي والجدب السحري والعقر الفلسفي”، فمعظم المثقفين والأدباء والروائيين والكتاب مزيفين! هم عبارة عن “وهم فارغ” لأنهم -بالإضافة الى نصوصهم- نتاج توليد آلة رقمية خالية من المشاعر والأحاسيس والتناقضات الإنسانية التي تنفث في الكتابة الروح لتصبح على قيد الحياة.
إن الكاتب المزيف يولد ميتا، فبمجرد اختفاء الرقمنة أو تجلي النقد الحقيقي سيقع في ورطة ثقافية ومأزق أخلاقي عميق سيكشف زيفه وزيف إنجازاته الكثيرة عند أول اختبار وجودي حقيقي له.
أما سرمدية الإبداع ستدوم حصرا على الكتاب الحقيقيين الذين استعادوا أصالة الأدب في معناه الحقيقي عبر عرقهم وعذاباتهم وتجاربهم الصعبة، والذي يستحيل على الكاتب المزيف صنعه، فمهما بلغ الكاتب الوهمي من أدوات الذكاء الاصطناعي فلا يمكنه أن ينفخ الروح في النص ليتحرك ويصبح حياً؟!
بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها
عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة.
