|
السبت، الموافق ٠٢ مايو ٢٠٢٦ ميلاديا

العقيد يعود من المجد… ويمضي في الذاكرة.

العرب نيوز (عين معبد ـ الجلفة)د.دحمان الحدي – في مساءٍ تسكنه الهيبة وتتنفس فيه عين معبد أريج الوفاء، ارتفعت الأصوات لا لتنادي، بل لتُحيي الذكرى السابعة لرحيل رجلٍ لم يكن مجرد عنوان سياسي، بل كان سِفرًا يُروى: العقيد أحمد بن الشريف. البلدةُ احتفت، لا من باب العادة، بل من باب الإجلال، فالرجل كان ابن المجد وصنو الحكمة.

برعاية المجلس الشعبي البلدي وتنظيم كشفي نبيل لفوج “قافلة أولاد نايل”، جاء الاحتفاءُ امتدادًا لخطى رجلٍ كان يمشي بين الناس بالتواضع، ويخطط في دهاليز الدولة بالفراسة.

لم تكن القاعة مجرد فضاءٍ، بل كانت الجزائر مصغّرة هناك: إعلاميون يلتقطون اللحظة، سياسيون يحملون ذاكرة المجالس، سلطات مدنية وأمنية تشهد بالعرفان، أساتذة جامعيون وطلبة ينهلون من الإرث، وكشافة تحرسُ روح الحدث كما كان العقيد يحرس راية الوطن.

كان الحضور طيفًا جزائريًا كاملًا، يحاكي تنوّع الأرض التي أحبها الرجل ووهبها قلبه.

أضاءت كلمات الدكتور محيي الدين عميمور، الوزير والطبيب والسفير، القاعة بوهج النخوة. كانت رسالته شهادة لا تُدحض، كتبها وفاءً لرجلٍ لم يخنه الزمن يومًا. في كلمته، عانقت الذكرى الموقف، وتصافحت الزمالة مع الانتماء، ليُقال: إن الرجال لا يُخلِّفهم الغياب بل تُخلِّدهم المواقف.

عميمور، مستشار الرئيس الراحل هواري بومدين، كشف عن عمق العلاقة التي ربطت القيادة السياسية بالعقيد، لا عبر الألقاب، بل عبر الاستشارة والثقة. لقد كان أحمد بن الشريف مرآةً للحكمة السياسية وجسرًا بين السلطة والشعب.

في الندوة، لم يكن الحديث سردًا، بل كان كشفًا، إعادة قراءةٍ لرحلة رجلٍ اختلط اسمه بمفاصل التاريخ. عقيدٌ شدّ على عَصَب القبيلة الكبرى في المغرب العربي، وبحذاقة نائلية، صنع لنفسه مكانًا بين القادة، ومكانة في قلوبهم.

لقد كان أحمد بن الشريف رمزًا، لا لمنطقة فقط، بل لوطن. عطاؤه فاق الإنكار، وسيرته لم تكن مجرّد أوراق، بل كانت موقفًا وسلاحًا وفكرة. في تلك الأمسية، بدا وكأن الوطن يهمس لعقيده الراحل: “قد رحلت جسدًا، وبقيت فكرًا”.
بكل سرور يا دحمان، إليك خاتمة تحليلية ذات طابع فلسفي وشاعري، تربط بين رمزية العقيد الراحل ومغزى الحدث الوطني

في مثل هذه المناسبات، لا تكتفي الأمة بالوقوف عند الأسماء؛ بل تتجاوزها إلى المعاني. العقيد أحمد بن الشريف ليس فقط رجل دولة مرَّ من هنا، بل هو معنى من معاني الوطن حين يكون في أوج تجليه: انتماء، حكمة، وبصيرة.

حين تتلاقى الدولة بالرموز، ويتعانق التاريخ مع الوفاء، نكتشف أن صناعة المجد ليست لحظةً ولا خطابًا، بل تراكم نُبلٍ عبر الزمن، ورجالٍ جعلوا من حياتهم جسورًا تعبر عليها الأجيال نحو الوعي الوطني الأصيل.

ومن عين معبد، البلدة التي ما فتئت تكتب بماء الوفاء سيرتها، تنطلق رسالةٌ لمن أراد الفهم: الجزائر لا تنسى أبناءها، لا تنسى الذين نذروا العمر في سبيل أن تبقى عالية الراية، مرهوبة الفكرة.

هكذا، يكون الموت بدءًا جديدًا في ذاكرة وطنية لا تعرف الفتور، ويكون الاحتفاء بالراحلين احتفاءً بالقادم، ورسالةً خالدةً: من هنا مرّ المجد.

#عرب_نيوز ” أخبار العرب كل العرب “

 

Translate »