د.عماد برو : كيف نرثي من لم يشبه أحداً ؟
العرب نيوز ( رؤوس – أقلام ) بقلم الدكتور عماد برو – كيف نرثي من لم يشبه أحداً
من لم يكتب كما كُتب، ولم يلحن كما لُحن، ولم يتكلم كما تكلّم؟
كيف نرثي من علّمنا أن السخرية وجهٌ آخر للحقيقة، وأن النكتة في بلادنا دمٌ على هيئة ضحكة، وأن المسرح ليس ستارة، بل مرآة مكسورة تنقل ما لا يجرؤ الإعلام على قوله في زمن التصفيق الأجوف…
وفي زمن الانبطاح، كان واقفًا.
وفي زمن التسويات الرخيصة، اختار العزلة والموقف.
زياد الرحباني لم يكن فنانًا عاديًا… بل كان زلزالًا ثقافيًا هزّ المنابر والضمائر …
كان حالة ثقافية كاملة، وصرخة جريئة في وجه نظام فاسد، وطائفية بغيضة، وواقع مريض…
كان يستلهم من صوت والدته، السيدة فيروز، صفاء الوجدان، ويغمس نغمه في مرارة الشارع، ويصوغ من وجعه اليومي سيمفونيات من تمردٍ رشيق.
فإذا مات، فمن يكتب لنا المشهد القادم؟
من يُلحّن القهر لنغني؟
من يصرخ بوجه العالم ولا يعتذر؟
بغيابه، نفتقد عقلًا حرًا، ولسانًا لا يخشى، وأصابع أخرجت من البيانو ما لم تخرجه مدارس الموسيقى.
نفتقد روحًا شرّحت هويتنا بلا مجاملة، وعرّت هشاشتنا بلا تزييف …
لكن الأمل أن زياد لا يُرثى فعلاً، لأنه سيبقى فينا ما بقي الوجع، وما دام هناك من يريد أن يفكر خارج القطيع، ومن يُحب أن يسمع موسيقى تحمل فكراً، وكلماتٍ تشبه الناس لا السلطة.
نم قرير العين يا زياد،
فأنت لم ترحل،
أنت فقط انتقلت من خشبة المسرح إلى ذاكرة الأوطان…
