|
الأحد، الموافق ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ ميلاديا

العرب نيوز ( رؤوس – أقلام ) بقلم الدكتورة امان السيد – منذ أن نطق القاضي السوريّ بأحكام إعدام الأسد وأتباعه المجرمين، وصور كثيرة تداعت أمامي. لست أنتشل نفسي من آخرين نتأ المشهد جروحهم إذ لكل منا خصوصية التداعيات.

ستة عشر عاما من العمر ليست بهزيلة لو أحصيت، غيرت ما غيرت فينا عبر انتظار طويل.. سطع في رأسي بريق الإيذان بالربيع العربي تتناوشه الشاشات العربية باستغراب، فمن كان سيقتنع أن عربيا تجرأ أن ينتفض على من اعتادوا تداول الكرسي دهورا من القمع، ومن سيتخيل أن جماهير غفيرة هللت للثورة ضدهم؟!

تذكرت الغربان تنهش المنصات تحليلا وتخويفا من عواقب الانتفاض على المكرّس، على أرباب البلاد، واستدعيت تسمري أمام الشاشات حتى أني طوال النهار أروح ألوك الأخبار نفسها، وتحليلاتها، فعسى، أو لعل وطني لا يدخل في تلك المعمعة، وأعتقدني مع الكثيرين غيري كنت مؤمنة أن شعب سوريا لن تصله العدوى، لا لأنه جبان أو متخاذل، بل لأنه روّض بقمع، وشراسة نرجسية الزعامة، ولكنها العدوى السليمة التي لا يمكن ردع سريانها. لن أنكر أني طفقت أتخبط بين دوامة الرغبة بها، والرعب من تبعيتها، فقد كنت في أشد الثقة أن الإجرام سينتزع حتى الطفل من مهده، وقد حصل، ثم إني انطلقت أحصي انفجارات ثورتنا السورية العظيمة خطوة بخطوة، فعفت المنام، واشتدت علي الأوجاع، ونهشتني الكرب، خفت على الجميع، الأبناء الأحرار الذين انتهج فيهم ما ضمن لتلك السلطة المجرمة حكما تسلسل من الأب إلى أبنائه في مخطط سيصل إلى أحفادهم، وبين يوم وآخر راحت توقعاتي تتحقق، لقد ذابت سوريا في حمامات الدم، وعجنت تربتها بالدماء، وبالجثث، وغصت السجون بالحرائر، والشيوخ والشبان، فجور الأسد لم يستثن شرفا، ولا كرامة، ولا حجرا، ولا جمادا، ثم إني رحت أكتب بصمت أستعمل الرمز، والترميز، فما جرؤت أن أفصح عن مواقفي، وفي وطني أخ ، وابن أخ، وقريب، وصديق، وما إن بدأت أشق نافذتي قليلا حتى نُعتّ من بعضهم، وبعضهن بالخيانة العظمى، فقد استطاع دهاء الأسد أن يقنع أن الوطن قد اجتيح بالمغول والكفرة والإرهابيين، وانطلت الخديعة على بعض من تضاءل إدراكهم، فقبلوا بالمسلمات، وفي رأسها حكم الأسد أو نحرق البلد!
من المرارة تهمة كيلت لي في تلك الفترة ممن أحاطوا بي من أبناء وطني في الغربة، فانتمائي الساحلي، وشمني بجهالة بهم، ولكني غفرت لهم إذ هي مسلمة أخرى تسننت على نَسلِ ابن الساحل من جذوره، ولصقه بهم كأغلبية، خذ دليلا أسماء عائلات أصيلة سرقت، ونسبت إليهم ضمن تغييب متقصّد لأبناء المدن الساحلية الحقيقيين!
كل ما خفت منه ثبت حقيقة، لكن التحرير، ودعس الصنم كان حلما من الأحلام المرجوة، لا لأن الخلاص لم يكن يقينا، بل لأن الحلم به كان مطويا بسِفر طويل، قد يُفتح في زمن مؤجل، لا سيما وأن كل ذئاب العالم المتحضر والمتخلف تكالبت على قضية الشعب السوري الكبرى، وهتافاته بتغيير النظام القمعي.
واليوم، والملأ يشهدون التحقيق مع المجرمين بشتى مناصبهم وإجرامهم، وتهمهم، أفراده الذين اعتادوا أن يسيروا مع الركب، ويساندوا مصلحته، ها هم قد رضخوا لإرادة شعب سوري تكبد من كنوز الخسائر ما لا يقاس بغال أو نفيس، أشهد معهم قلبي يتشافى مما لحق به طوال تلك السنوات، وأتمعن في تفاصيل الذئاب البشرية تحجزها القضبان عن نور الشمس بعد أن كانت الساحات والمنصات كلها تأتمر بأمرهم، فأحس أني يجب أن أنفّس عن روحي بهذه السطور.

أنا حقا بمنتهى السعادة، لأني أحظى بمتابعة جحيم انكساراتهم، ولأن السِّفر لم يستثنني، ومن أكرهوا على معايشة زمن الأسد البغيض، فنحن على قيد الأهلية والإدراك نتابع أحكام المقاصصة التي نوقن بعدالتها، لكن رغم هذا المنجز الجميل، تهب علي بين الفينة والأخرى غصة أحاول الاستقواء عليها..

أترى من عدالة كاملة ترتهن لإرادة إنسان الأرض، وإن جهد عليها؟!

#العرب_نيوز ” أخبار العرب كل العرب “
Translate »