|
السبت، الموافق ٢٣ أكتوبر ٢٠٢١ ميلاديا

العرب نيوز ( رؤوس – أقلام ) بقلم الكاتب سعودي محمد الساعد – الوظيفة التقليدية للبنان كدولة والتي لطالما عرفها العالم عنه هي أن يكون مرفأ لعرب آسيا، وحين ازدهرت بيروت في الحقبة العثمانية الاستعمارية كانت حينها مرفأً لدمشق أيضا، وبعد نكبة 1948 اصبحت مرفأ لدول الهلال الخصيب والخليج العربي، بل ومحط رحالهم.

اليوم يبدو أن وظيفة لبنان في المنظور الاقليمي والدولي هي محل اعادة نظر، بعدما تخلى عنها لبنان بإرادته، أو لنقل تماهى مع من أرغمه على التخلي عن وظيفته التقليدية، وهنا يكمن الخطر الأكبر على لبنان، أما لماذا يعاد النظر؟؟ فللأسباب الآتية:

اولاُ: فقدان لبنان وظيفته الأساسية بسبب الهيمنة الايرانية عليه منذ سنة 2011 وحتى اليوم، إذ حولت إيران “لبنان” من مرفأ لعرب آسيا الى وكر لتهديد العرب واللبنانيين، ومنصة لتصدير الكيبتاغون والميليشيات الايرانية للمنطقة.

ثانياُ: قبل عام وقعت الإمارات والبحرين اتفاقية سلام مع إسرائيل، وبما ان مرفأ بيروت ازدهر بناء على عزلة مرفأي حيفا وعكا لأكثر من خمسين عاما، فإن بداية انهاء هذه العزلة على اثر السلام الابراهيمي، يساوي بطبيعة الحال تراجع دور مرفأ بيروت للأبد.

ثالثاُ: اواخر التسعينيات ومطلع الالفية الثالثة، حاول الرئيس الشهيد رفيق الحريري بناء مشروع يكرّس دور مرفأ بيروت كميناء للعراق والاردن، لكنه ووجه بمعارضة سورية – ايرانية شرسة، كان رأس الحربة فيها الرئيس اميل لحود والثنائي الشيعي، والنتيجة اليوم وفي إطار هيكلة المنطقة وإعادة توزيع الأدوار اصبحت مصر هي مرفأ الاردن والعراق، بناء على الاتفاقية التي اعلنت مؤخراً – برعاية اميركية – بين الدول الثلاث، وهذا يعني مزيدا من التراجع والعزلة القسرية لمرفأ بيروت.

اذن حين ينتفي دور لبنان الوظيفي او يتراجع، ماذا سيبقى للبنان وأهله؟

في المشهد الإقليمي الجديد ليس هناك اي دور يقدمه لبنان اليوم سوى حراسة الحدود الجنوبية اللبنانية او الشمالية الإسرائيلية – شاء ذلك ام ابى -، وللحقيقة فمن يقوم بهذا الدور حاليا هي ميليشيا حزب الله، أي ايران، على الرغم من كل دراما المقاومة والممانعة التي تسوّق نظريا فقط، وبالتالي حتى هذه الوظيفة يقوم بها ملالي الفرس، وهذا خطر اكبر، اذ تقول إيران للمجتمع الدولي والغرب تحديدا: بأن حفظ أمن شمال اسرائيل هو مسؤوليتها وليس مسؤولية لبنان، وهذا الغاء كامل للوجود اللبناني.

في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ لبنان لابد من استذكار شخصيتين تاريخيتين…

الشخصية الاولى هي الرئيس “الشهيد” بشير الجميل، الذي آمن بوحدة التراب اللبناني تحت شعار 10452 كيلومترا مربعا، وبسلطان الدولة على الميليشيا، وقرأ مبكرا ان المستقبل في المنطقة هو لخيار السلام. وحين سئل بشير الجميل عن مستقبل القوات اللبنانية – الميليشيا آنذاك – اجاب بقصة بطلاها مناحيم بيجن وبن غوريون، اذ كان بيغن قائد ميليشيا “أرغون” الإرهابية التي لعبت دورا اساسيا في تأسيس الدولة الاسرائيلية، وبعد قيام الدولة وصلت سفينة محملة بالأسلحة الى “الارغون” فما كان من بن غوريون الذي تخلى عن عباءة الميليشيا الى عباءة الدولة، الا ان حاصر السفينة في المرفأ، مهددا بتفجيرها ومن فيها وكان بيغن نفسه داخلها، فقيام الدولة ألغى وجود الميليشيا وشرعيتها، وهذه تحديدا كانت رسالة بشير الجميل.

الشخصية الثانية هي الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي آمن بخيارات الاعتدال والتنمية وعروبة لبنان والاقتصاد الحر، بل ان العصر السياسي الذي ينتمي اليه رفيق الحريري، هو عصر “الارض مقابل السلام”.

لا خلاص للبنان اليوم الا باستعادة مسؤوليته الكاملة على كامل ترابه الوطني، وبالأخص حدوده الجنوبية، ولا خلاص له الا بالتمسك بهويته التاريخية: التنوع والتعايش والاقتصاد الحر والامتداد العربي الواسع.

ان اهم متغير يجب ان ينظر اليه اللبنانيون بعين الجدية وفي هذا الوقت الحرج بالذات هو التمسك بوظيفة لبنان كدولة قادرة على إدارة كامل ترابها الوطني، مع ضرورة فتح الحدود الجنوبية اقتصاديا على الاقل مع السلطة الفلسطينية الشرعية، فليس معقولا ان يبقى اقتصاد لبنان تحت رحمة بعث سوريا وملالي طهران.

كل ما سبق يستدعي مشروعا وطنياً “جديداً قديماً” لا مفر منه، وهو اتحاد مشروعي رفيق الحريري وبشير الجميل قبل فوات الاوان من اجل انقاذ لبنان وبعثه من جديد قبل انتفاء دوره التاريخي وإلغاء لبنان تماما عن خريطة الشرق الأوسط.

#العرب_نيوز ” أخبار العرب كل العرب “


Translate »