|
الأحد، الموافق ٢٣ يناير ٢٠٢٢ ميلاديا

العرب نيوز( روؤس – أقلام ) بقلم د. ميسون الدخيل – قيل إن الإنسان بالفطرة كائن راوٍ للقصص، منذ الرسوم التي تركها على جدران الكهوف إلى أحدث استخدامات الإنترنت. لطالما روى تاريخه وحقائقه من خلال الأمثال والأساطير، ودائما هنالك عبرة أو مغزى أو رسالة ودونها يصبح العمل بلا فائدة، مجرد مجهود ضائع أو كما يحدث اليوم بالنسبة للكثير من نتاج وسائل التواصل الاجتماعي… تفاهة واستخفاف بالعقول!.

تقول القصة الأولى، على ذمة الراوي، يا سادة يا كرام، إن حمارا ربط يوما بشجرة، فجاء الشيطان وفك رباطه، عندها ركض الحمار إلى الحقل المجاور ودمر المحصول، لم تنتبه زوجة صاحب الأرض إلا بعد أن فعل الحمار فعلته، فأحضرت بندقية زوجها وأطلقت النار فقتلته، وعندما أدرك صاحب الحمار ما حدث، أطلق النار على المرأة فقتلها، عاد المزارع ليجد زوجته ميتة، فذهب وأطلق النار على صاحب الحمار. لم ينته الأمر هنا فلقد حرّضت زوجة صاحب الحمار أبناءها على أن يذهبوا ويحرقوا منزل المزارع. ذهب الأولاد في وقت متأخر من المساء ونفذوا أوامر والدتهم، على افتراض أن المزارع هو الآخر سيحترق بالمنزل، لكن لسوء حظهم صدف أنه كان خارج المنزل، وعاد وأطلق النار على الزوجة وأبناء صاحب الحمار… عندها نادما سأل المزارع الشيطان: «لماذا حدث كل هذا؟»، قال الشيطان: «لم أفعل شيئًا، فقط فككت رباط الحمار، لكن رد فعلكم جمعيا كان مبالغا، بحيث أطلقتم شياطينكم التي كانت بداخلكم»!.

ويقال، على ذمة الراوي أيضا، أن المغزى من القصة هو أن الشيطان ليس لديه القدرة على فعل الكثير، لكن شيئا واحدا بسيطا يفعله هو أنه يوقظ الشر داخل البشر؛ بإثارة الغرور مما يخلق النوايا الشريرة بالقلوب، فيتحول الإنسان إلى شر يضر بالآخرين!. لذا في القادم من الأيام وقبل أن ترد أو توبخ أو تنتقم، توقف وفكر، وكن حذرا، فما يفعله الشيطان في كثير من الأحيان هو مجرد إطلاق «الحمار» فينا! (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا).

وتقول القصة الثانية وعلى ذمة راوٍ آخر، إنه كان هنالك مجتمع مزدهر وصادق ومسالم، يثق بالجميع ولا يحمل ضغينة ضد الغير، ولكن للأسف كان يجاوره مجتمع يحمل من الخصال عكس ما يحمله المجتمع المسالم، فلقد كان حسودا لدرجة أن فكر بتدمير جاره! لذلك، ابتكر خطة ذكية، خلق قصة تسمى «الشيطان والحمار» لتعليم الناس عدم الانتقام حتى في مواجهة أخطر الأذى من خلال إلقاء اللوم على عدو غير مرئي! ونفذت الخطة بعد أن نشر الرواية، بدءا بتدمير جميع محاصيل المجتمع المسالم بواسطة الحمير التي تم إرسالها من قبل المجتمع الحاقد، هنا غضب المجتمع المسالم، لكن سرعان ما تم تذكيرهم بالقصة وحقيقة أن الشيطان هو المسؤول وليس المجتمع الجار الذي لا يريد لهم سوى كل الخير!، وتخلى المجتمع المسالم عن الانتقام وعمل بجد حتى تتم تغطية الأضرار التي وقعت عليه. ثم بعد أيام وجدت والدة المجتمع المسالم قتيلة، ولكن بعض مثقفي المجتمع المسالم، والذين تم شراؤهم من قبل المجتمع الحاقد، رددوا لهم مقولة «العين بالعين تجعل العالم أعمى»!، ومرة أخرى، اقتنع المجتمع المسالم وامتنع عن اتخاذ أي إجراء!. لكن هل شفي غليل ذاك المجتمع الحاقد؟! كلا، بل نفذ الهجوم الثالث، وتم إحراق جميع منازل المجتمع المسالم، وهنا غضب الناس وأرادوا اتخاذ إجراء حاسم ضد المجتمع الحاقد، ولكن المثقفين إياهم أقنعوهم بأن ذلك كان من عمل «الحمير»، وأنه يجب عليهم البحث عن الأدلة قبل اتهام المجتمع الجار، وبهذا تحولت الجهود إلى البحث عن الأدلة بدلا من المواجهة! وبانشغال المجتمع المسالم في البحث، تحرك المجتمع الحاقد للاستيلاء على جميع ما تبقى من أملاك المجتمع المسالم، وهجم بكل قوته وأنهى آخر أثر لأي شخص أو أي شيء يعود إليهم!

لقد كان المجتمع المسالم قويًا ولديه الاكتفاء الذاتي الذي كان يحتاجه للعيش والبناء والتقدم، ولكن باختفاء الطعام والأرض الصالحة أصبحوا فقراء، ومع رحيل والدتهم لم يعد لديهم إمكانية الإنجاب، ومع اختفاء منازلهم خسروا المأوى ولم يعد لديهم مكان للعيش فيه أيضا، ناهيك عن عدم اتخاذ التصرف اللازم عندما كانت لديهم الفرصة لذلك؛ لم يتحرك المجتمع لأنه عند كل حدث سيئ كان يُلقى اللوم على الشيطان الخفي بدلًا من الشيطان الحقيقي الذي كان يعيش بالجوار! ولهذا عندما هاجمهم مباشرة من دون التواء أو تخف، لم يكن لديهم شيء للدفاع عن أنفسهم؛ لم يتبق أمامهم سوى الموت في ندم وحزن!

ما أضاعهم حقًا هو قصص «الحمير» وأمثالها، وفقدان قدرتهم على التفكير وتأجير عقولهم لمجموعة من المرتزقة من المثقفين الذين تم شراؤهم من الأعداء! ولذا المغزى هنا، مرة أخرى على ذمة الراوي، عندما يتم وضع اللوم من شخص أو مجموعة ما لأي حدث سيئ على الشيطان وليس على مجرمي الواقع في الحياة، تدبر عزيزي القارئ في القصة السابقة، وتحقق ما إذا كنت مُضلَلًا.

بالنهاية المطلوب منا في حالات التعدي الخطرة والحرجة هو التالي: بدلا من الاعتماد على مثقفين آخرين، سواء أكانوا من خريجي جامعة وسائل التواصل الاجتماعي (الواتس، والفيسبوك، والتوتير) أو غيرها من تفرعات الإنترنت، أن يملوا علينا كيف يجب أن نتصرف أو نفكر، المطلوب هو العمل على تنمية قدراتنا على التفكير والتحليل والحرص على اتخاذ القرارات، لنتعلم متى نرد وكيف نرد، لأنه ليس المطلوب إجراء رد فوري وسلبي في إطار عاطفي؛ فبذلك نتخلى عن حرياتنا في التفكير ونسمح للعواطف بالسيطرة علينا، مما يجعلنا عرضة لتلاعب الآخرين بنا، بل التفكير باستقلالية في الرد العقلاني والمنطقي والأخلاقي، وعند التنفيذ لنكن أقوياء وليكن الرد حازما ورادعا!.

المصدر : الوطن السعودية

#العرب_نيوز ” أخبار العرب كل العرب “


Translate »