|
الأربعاء، الموافق ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٢ ميلاديا

ميسون الدخيل : في المعضلات الأخلاقية لا شيء مضمونا

العرب نيوز( روؤس – أقلام ) بقلم د.ميسون الدخيل- هل سبق لك أن كنت في وضع يتعين عليك فيه الاختيار ما بين شخص تهتم لأمره ومبدأ أخلاقي؟ في هذه الحياة غالبا ما نمر باختبارات لاتخاذ قرارات أخلاقية، وترتبط هذه القرارات ارتباطًا مباشرًا بكيفية رؤيتنا لأنفسنا وكيف يرانا الآخرون. المشكلة هنا أن بعض القرارات تحمل وجهين ولكن ليس لعملة واحدة، بمعنى ما قد يكون حلًا مناسبًا لأحدهم قد يكون كارثة على فرد آخر، ومن هنا تنشأ المعضلة الأخلاقية بحيث تضع الفرد في موقف صعب يجب أن يتخذ فيه قرارًا يمكّنه من التعايش مع تداعياته. غالبًا ما تُستخدم تدريبات المعضلات الأخلاقية لمساعدة الناس على التعمق في التفكير في تأثير مبادئهم على أفعالهم، فقد يكون مرت عليكم في اختبارات الشخصية أو عند دراسة مواد مثل الفلسفة أو علم النفس.

تحرك برأسي هذا الموضوع عند قراءة سؤال تقدم به أحدهم على وسائل التواصل الاجتماعي يطلب فيه المساعدة في اتخاذ القرار، وهذا ما جاء فيه: «قبل استقالتي لأسباب خاصة، عملت لمدة عامين في شركة ترفيه كمصمم/ مطور برامج، قمت خلال ذلك ببناء الكثير من المشاريع المعقدة باستخدام إلكترونيات مخصصة والبرامج الثابتة لوحدة التحكم الدقيقة، كما بذلت قصارى جهدي لتوثيق كل هذا قبل خروجي من الشركة، ولكن كان هناك كثير من الخلل في ما يتعلق بمعايير التوثيق والتنظيم والأرشفة، لذا أصبح هنالك صعوبة في البحث وتحديد مكانها في الملفات.

في بداية العام بدأ العمل من جديد على تنفيذ كثير من هذه المشاريع، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتلقى مجموعة من الطلبات من أشخاص مختلفين يسألونني عن تفاصيل حول المشاريع المختلفة التي عملت عليها أو حتى بالبحث عن أجزاء من التعليمات البرمجية أو الملفات التي قد تكون محفوظة على جهاز الحاسوب الذي كنت أستخدمه في موقع الشركة.

من ناحية، أحب جميع زملائي في العمل وأعتبرهم أصدقاء لي، فهم أناس طيبون يحاولون إنجاز عملهم على الرغم من الضغوطات التي يواجهونها من الإدارة، ومن ناحية أخرى، لا أحب الإدارة أو لنقل لا أثق بها بعد خبرتي السلبية معهم، وعليه لا أشعر بالرضا عن القيام بعمل مجاني يفيدهم في النهاية، وإضافة إلى ذلك، تم توظيف بعض الأشخاص الجدد، ومن الواضح أنه ليس لديهم أي فكرة عن المشاريع التي كنت أعمل عليها، ويتواصلون هم أيضًا معي طلبا للمساعدة، فكرت أن أطلب عائدا ماديا على الخدمات التي أقدمها لهم، ولكن بسبب نقص مادي في الميزانية، أعتقد أن فرصة الموافقة على دفع أجر عملي ضئيلة للغاية.

المشكلة هنا، أنني عالق في موقف حيث من خلال مساعدة أصدقائي، أسمح لهذه الشركة بالاستفادة مني، وفي المقابل فإن عدم السماح لهم بالاستفادة مني، من المحتمل أنني بذلك أعقد الأمور على أصدقائي. ماذا عليّ أن أفعل هنا؟».

ما شدني حقًا هو الإجابات التي قدمت له! جلها يحثه على طلب مبلغ مادي عن الخدمات التي يقدمها من خلال الإجابة على زملائه بالعمل، أي بأن يعتذر عن استقبال أي سؤال ما لم يتم تعويضه ماديا من الشركة! ومنهم أفاده بألا يساعد أحدا طالما أن الإدارة لا تستحق منه ذلك! الجميع كان يوجهه إلى التركيز والتفكير على ذاته أولًا! مثل هكذا مواقف، سواء كان المرء في قلب الحدث أم خارجه، يسهم في أن يواجه المرء بذاته، ويتصرف إزاءها بحسب نظرته وتقديره للمبادئ التي يحتضنها في قالب من الظروف المحيطة.

نحن بحاجة إلى أن نواجه نزاهة شخصيتنا، ومستوى تعاطفنا ومشاعرنا نحو الآخر، وإحساسنا المتطور بالعدالة والصدق والعطاء. ولكن لكي نرى كيف يتم تفاعل هذه السمات، يجب التعرف إلى كيفية عملها أثناء الحدث الفعلي، وحتى لا ننتظر ذلك، ليس أمامنا سوى أن نتجهز بالتدرب على معضلات أخلاقية كالمثال التالي؛ على الأقل كي ندرك إلى أين سوف يأخذنا تفكيرنا عندما يتعلق الأمر بالتقيد بالأخلاقيات والمبادئ:

· في طريقك إلى العمل ذات صباح، تتورط في حادث تصادم سيارتك مع أخرى، وخرجت سيارتك من قوة الصدمة وضربت أحد المشاة وقتلته! عند خروجك من السيارة لتتفقد الوضع، اعترضتك سائقة السيارة الأخرى وهي تبكي لأنها تعتقد أنها هي من صدم وقتل الرجل! على الرغم من أنك لست متأكدًا من سبب اعتقادها أنها الفاعل، لكنك تجد أنها مقتنعة تماما بذلك، وأصبح الوضع هكذا: لا يوجد سوى أنت والمرأة والرجل الذي صدمته، كما لا يوجد شهود، وأنت تعلم أن المسؤول عن قتل الرجل من المحتمل أن يُسجن. كيف سيكون تصرفك؟ هل تعترف بأنك أنت من صدمه أم هل ستقول في نفسك هي مؤمنة أنها الجاني وأنا لا أستطيع تحمل أن أسجن وأترك أسرتي دون سند، وعليه تتركها لمصيرها؟

لنتذكر أن القرار في قاعة تدريب أو حجرة فصل دراسي أو من خلف شاشة الحاسوب، يختلف عن الواقع، ليس فقط في مدة التفكير وضغوط اللحظة، بل أيضا من حيث إنه فرضيًا أو في قالب نصيحة. ولنتذكر أيضًا أنه لا شيء مضمون! فمن يدري، رغم كل تجهيزاتنا، قد تأتي لحظة ونتصرف بعكس نظرتنا إلى أنفسنا أو نظرة الآخرين لنا. إذًا لماذا نتدرب؟ حتى نتعرف على أنفسنا ومدى تمسكنا بمبادئنا وأخلاقياتنا، وحتى نقلل من مفاجآت الذات، ونعمل على تثبيتها وتطويرها بآن واحد.

#العرب_نيوز ” أخبار العرب كل العرب “

Translate »