يومٌ من حياةِ فتاة حالمة
 
العرب نيوز ( يوميات )  بقلم دانية طوافشة - في السّاعات القليلة الماضية.. طلبتُ من الجميعِ أن لا يسألني عن زيارتي لدار المسنين، وتوسّلتُ إليهم أن لا يقحموني بالاستفسارات الكثيرة الّتي لا زالت توخز قلبي، وتجعلني في دوّامةِ ألمٍ يبدو أنّني لن أشفى منها لوقتٍ طويل. 
في الليلة الماضية، عندما استكان جسدي على السرير عند الثانية بعد منتصف اللّيل، فكّرتُ بشيءٍ واحد فقط قبل أن أستغرق في النّوم، يا ترى.. عندما أعود غداً من الزّيارة.. هل سأعود بنفس القلب الّذي ذهبت به؟ أم سيطرأ عليه تغيّرات طفيفة تُفقدني قدرتي على الابتسام؟ 
صحوتُ مبكّراً، أيقظتُ عائلتي للصّلاة، صلّينا، وتبادلنا أطراف الحديث، وطبعاً طلبتُ منهم أن يعجّلوا في ارتداء الملابس، وجاهزيتهم للخروج، كنتُ ممتلئة بالطّاقة، والحماس، خاصّة وأنّ هذا اليوم، كنتُ قد خططت له من قبل سنتين، وها هو الآن، سيصير حقيقة تلمسها روحي
.. 
كنتُ أعرف أنّني أتظاهر بالفرح، كنتُ أعرفُ أنّي في الحقيقة لستُ على هذا القدر من السّعادة، لأنّي وفضلاً عن تدهور وضعي الصحيّ في اليوم السّابق، كنت قد عرفتُ أنّي لن أطيق تحمّل شريط الذّكريات المؤلم الّذي سأراه بعينيّ بعد سويعاتٍ قليلة.. 
لعلّ أكثر ما أسعدني هو تقديم الورد إليهم شعرتُ أنّه يعبّر عن إحساس عميقٍ في شغاف القلب.. كانت تلك الفكرة تدور في رأسي منذ زمن، ولكنّي لم أسمح لها بالولادة إلّا يوم الجمعة، حين قلتُ لصديقتي ما رأيك في أن نشتري وروداً تحملُ معها أحاسيسنا المختلطة بالمحبّة والألفة والشّوق؟
 المهم، وصلنا إلى هناك، وعند الدّخول، رأيت مسنة كبيرة يتهلل وجهها فرحاً لرؤيتنا، وتصدحُ حنجرتها زغاريدَ لم تكن تعبّر سوى عن سعادةٍ فائقة اخترقت قلبها، أسعدني ذلك، وشعرتُ أنّي سأقضي معهم يوماً مميزاً. 
سلّمتُ عليهم، شعرتُ أنّي أعرفهم بقلبي، لم أخجل، بل بدأتُ أنخرطُ في ذلك العالم بسرعةٍ هائلة، أحاولُ أن أعبّرَ عن ما في داخلي من حبّ كبير، وشوق عظيم لتلك الوجوه الباسمة، المعطاءة، الّتي بذلت وكدّت وتعبت وأعطت.. 
هناك، ترى في وجه كل مسنّ، حكايا مختلفة، عجال الزّمن كانت كفيلة برسمها على أوجههم في قالب التّجاعيد.. جلستُ في البداية مع مُسنة جميلة القلب والقالب، أخذت تحكي باندفاعٍ كبير، كأنّها عثرت على الفرصة المناسبة كي تحِطَّ ما يجثم في قلبها على قلبي.. خلال الحديث، تبتسم تارة، وتبكي تارة أخرى، ثم تعيد الكرة، فتبتسم، ثم تبكي، ثم تبتسم، ثم تبكي، ثم تتركني في قيعان الألم والخذلان.. 
ثم قررنا أن نغنيَ لهم، أخذت أيادينا تصفّق بحرارة كأنهّا من شدّة الألم تعتصر.. والوجوه تبتسم، وتخرج من ثنايا عيوننا العبرات فتخجل.. وتعاود الدّخول حيث كانت.. 
التفتَ قلبي لمُسنة كبيرة لم يكن بادياً عليها الفرح كمثيلاتها من المسنات، جالسة وحدها، تنظرُ بأسى وحسرة وحزن وألم، لم ننجح في رسم ابتسامة على مُحيّاها من خلال الغناء.. فوجدتُ نفسي أركض بكلّ جوارحي إليها، أحتضنها بملء قوتي، وأقول لها أنّني أحبّها جدّاً، وأتأهّب للجلوس بجانبها لفتح دفتر ذكرياتها المؤلم والمقفل منذ زمن طويل ..
تركتهم ينهلون الأغاني والضحكات والزغاريد، أما أنا فجلستُ إلى جانبِ من لا يخفف عنها ذلك، علّ البوح يفقدها جزءاً من ذلك الألم الّذي احتلّ تجاويف قلبها.. 
بدأت تتكلّم، وتعيدُ شريطَ حياتها منذ أن كانت عروسة صغيرة في السّن، تزامناً مع احتلال اليهود لفلسطين، بعد رجوعها من شهر العسل في بيروت - على حدّ تعبيرها- . 
حكت لي عن أبيها المتوفّى، وأمها، وأخوتها الّذين تركوها وحدها تقاسي الحياة ومشاقّها، تكلمت لي أيضاً عن زوجها الميّت، وأختها الّتي توفيت قبل شهرين من اليوم، حكت لي كيف كانت امرأة منظمة في بيتها، وكيف كان أبوها عالم دين في بيروت، ومدى اشتياقها للبحر، وعن أحلامها بالعودة مجددا حيث كانت.. وأشياءً كثيرة سريّة لا أستطيع أن أواجه نفسي بها حتى، كانت تحكي بشفافيّة، شفافيّة لم يسبق لي أن رأيت على شاكلتها أبداً
قبل أن تبدأ وتستغرق في الحديث، سألتها عن سبب عدم فرحها بالغناء معنا، في تلك اللحظة بدأت الحكاية، حين قالت" أنا مش مبسوطة، أنا نفسيتي تعبانة، تعبانة كثير.."
سمحتُ لها أن تحكيَ لي ما تريد، تكلّمت معي كأّنها تعرفني منذ زمن، سألتني عن اسمي وعمري، وقالت لي أنّي صغيرة، وتمنّت لي حياةً سعيدة، وأيضاً وعدتني أن لا تنساني، وستظلّ تنتظر أن أعودَ إليها قريباً، وتتمنّى أن يظلّ قلبها ينبض حتى تلك اللحظة، وكررت وعدها بأن لا تنساني مرّات كثيرة بعدها. 
أخذني الحديث معها، حتى أنّي لم أنتبه أنّ رفيقات الزيارة كنّ قد غادرن الطّابق الأوّل، وذهبن إلى الرجال في الطابق العلويّ، وبقيتُ وحدي مع واحدة من مجلس الأمهات التي انتظرتني كي أنهي حديثاً كان لا بدّ أن يطولَ أكثر، ودعتها بابتسامة ودمعة، احتضنتها وأحببتها وقبّلت جبينها وفي تلك اللحظة.. تذكرت جدتي الغائبة..
 
  ودّعتهم وعانقتهم ونادت عليّ واحدة وقالت لي" أنا حبيتهم كلهم، بس حبيتك أكثر إشي" ..شكرتُها، كانت كلماتها نسمات خففت حدّة الألم الّتي شعرتُ بها..قلت في نفسي، سأعود.. شيئاً ما منّي سيظلّ هنا .
أمّا عنّي، فكنتُ أبكي وأضحك في نفس الآن، لم أحاول يوماً أن أخفي عبراتي كما اليوم، كنت أعيدها قبل أن تتدحرج، وهذا ما جعل عينيّ تطلبُ الدموع كما لو كانت مرهماً للحروق الّتي شعرتُ بها.  
تأهّبت لأذهبَ إلى قسمِ الرّجال، وقلبي يعتصر، ودموعي تنهمر، وقبل أن أدخل، مسحتُها ورسمت ابتسامةً بصعوبة.. ودخلت. 
لم أتجرّأ وأقترب من الجميع، بقيتُ بعيدة ولكنْ شيئاً ما دفعني للدخول، حتى تلك اللحظة التي ناداني فيها رجلٌ مسنٌّ كبير سألني فيها عن أحوالي و طلب مني أن أبعث سلاماً لأمي وأبي الذين لم يرهم يوماً، ثم أمسك بيدي وقال لي أنّه يريد أن يقول لي شيئاً، بصوت منخفض، وممتلئ بالألم والرجفة قال" جيبيلي حلاوة مع خبز" بتعرفيها صح؟ أنا ميت من الجوع نفسي في حلاوة.. جيبيلي يا بنتي.. 
طق، فرقعة الدمعة الأولى، فالثانية، فالثالثة،
 بصعوبة قلتُ " حاضر، رح أجيب" قال " اليوم والا بكرة؟" قلت " اليوم" قال " رح أستناك..
" أوقظني من سباتي صوت المعلمة وهي تقول بأنّه حان وقت المغادرة، ودعتهم جميعاً، وشعرتُ وأنّي في هذه اللحظة، أريدُ أن أتحرّر من دموعي، وألمي، وغصّة قلبي، وبدأتُ بالبكاء الجارف الذّي لم يتوقف حتى وصولي البيت، وانتظار النّوم كي يدقّ أبواب عيني ويمنع الدموع من أن تنسال منّي. 
سيظلّ طلب جدّي جرحٌ أتحسسه كلّ يوم، لأنّي لم أستطع أن أفي به.
 " لا أستطيع أن أكتب أكثر" 
هناك الكثير من الكلمات والحكايا الّتي ظلّت عالقة ومؤرجحة على حبال قلبي، وتأبى الخروج
دائما ما أقول .. إن أعظم شعور من الممكن أن يُحسَّ به أي إنسان، هو إدخال الفرح على قلوب الآخرين، ورسم البسمة على أوجههم.. لقد كان يومٌ لا ينسى، يحمل بين طيّاته لحظات محتدمة بين الفرح والألم في نفس الوقت..
 لقد أضاف هذا اليوم إليّ الكثير، ووسع آفاق تفكيري ليتسع لكلّ قلب أنهكه الإهمال، وكل جسد أنهكه المرض، وكل روح أنهكها الحرمان
 
 
 وتختم دانية  بهذه الكلمات - سأرسمُ بكلماتي واقعاً لا بدّ أن نعيشه يوماً، سأظلُّ أستلُّ من جوف العدم أملاً، يترقرق بين ثنايا الأيّام السّوداء، أرسم فكرة، أدافع عنها، أتكلّم عنها بملء قوتي وطاقتي، دون خوف، دون رجوع، دون تردد.. من خلال حروفي الّتي ستظلّ تنبض بالحياة.