الدكتور ليلى نقولا

العرب نيوز ( قراءات - تحاليل ) ينطلق قطار المباحثات السورية "جنيف - 3  " يوم الجمعة في 29 كانون الثاني الجاري، ما يؤشر إلى أن المسار السياسي لحل الأزمة السورية قد بدأ مساره،
بالرغم من أن التفاؤل بقرب أو بنضوج هذا الحل يعتبر نوعاً من السذاجة السياسية، إذ ما زالت العقبات التي تسيطر على جدية الوصول إلى حل سياسي كبيرة وعميقة.
 قد يكون الإحباط من المسار الذي ستتخذه المباحثات في جنيف، والذي يلفّ المعارضين السوريين على مختلف توجهاتهم ومشاربهم طبيعياً، فالأمور كما تبدو تسير لمصلحة النظام السوري وحلفائه، علماً أن مجرد انعقاد المباحثات في جنيف، وبالطريقة التي سيتم بها، يشير إلى ربح مسبق للنظام بالنقاط على المعارضة، على الشكل الآتي:
 1-   إلغاء أي مرجعية لـ"جنيف - 1"، والذي استطاعت فيه المعارضة السورية - في لحظة داخلية وإقليمية ودولية حرجة للنظام - أن تحصل على مكسب إعلان عن أن الحل السياسي سيتم من خلال تشكيل "هيئة حكم انتقالي"، بينما أدّت التطورات الميدانية خلال ثلاث سنوات ونصف، وانقلاب ميزان القوى لصالح النظام بعد التدخّل الروسي، إلى إجراء المباحثات اليوم حول آليات تطبيق "إعلان فيينا" حول سورية، والذي يتحدث عن حكومة وحدة وطنية من النظام والمعارضة، وعلى أن يكون "الحكم شامل ذي مصداقية وغير طائفي"، وهذا يعني أن أقصى ما يستطيع المعارضون النجاح به هو التفاوض على أي من الوزارات يمكن أن يحصلوا عليها في هذه الحكومة المرتقَبة.
 2-   تبديل عبارة المفاوضات بعبارة المباحثات، لإرضاء المعارضين، لا يعني شيئاً في الميزان السياسي، لذا فإن اعتماد آلية "المباحثات غير المباشرة" سيعطي النظام نقطة إضافية، فالمعارضون الذين أعلنوا عدم شرعية النظام السوري وأنهم لن يذهبوا إلى أي مفاوضات قبل رحيل الرئيس بشار الأسد، سيمنحون النظام شرعية سياسية بقبولهم مجرد الذهاب إلى المباحثات بدون شروط مسبَقة، كما أعلن دي ميستورا، علماً أن عدم قبول وفد النظام بالجلوس بمواجهة المعارضة والتفاوض معها، يمنحه هامش الادعاء بعدم الاعتراف بشرعية المعارضين من حملة السلاح، والاستمرار في الحملة العسكرية التي يشنّها عليهم لتحرير الأرض.
 3-   عمد بعض أعضاء المعارضة من وفد الرياض إلى قول إن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد ضغط عليهم للقبول بالذهاب إلى جنيف، لكن الإنصاف يقتضي القول إن الولايات المتحدة الأميركية قد صبرت كثيراً على تلك المعارضة ومجموعاتها المسلحة، فخلال سنوات خمس من الدعم الأميركي والدولي المتواصل والاعتماد المفتوح، لا هم استطاعوا أن يشكّلوا هيئة سياسية معارضة ذات مصداقية شعبية، ولا هم استطاعوا أن ينأوا بأنفسهم عن الإرهابيين، وعجزوا في سنوات خمس من القتال عن هزيمة الجيش السوري، الذي صمد سنوات عدّة، إلى أن أتى التدخّل الروسي ليُنهي إي إمكانية لاستنزاف طويل الأمد.
 4-   الصراخ الذي يطلقه المعارضون السوريون بضرورة منع ترشّح الرئيس السوري بشار الأسد لأي انتخابات مقبلة أو فرض شرط تنحيه في نهاية الفترة الانتقالية، يشي بأن المعارضة بتلاوينها المختلفة غير واثقة من قدرتها على هزيمته في انتخابات حرة وديمقراطية برعاية الأمم المتحدة، وأنها بالرغم من إعلانها بأن "الشعب السوري" قد قام بـ"ثورة" عارمة وامتشق السلاح مرغماً لتغيير النظام، فإنها تبدو غير واثقة من قدرتها على إقناع هذا الشعب "ذاته" بعدم انتخاب بشار الأسد في الانتخابات!
 قد لا يتسع المجال هنا لتعداد خسائر المعارضة السورية في سنوات خمس من الأداء المتعثر والتناحر، والفساد الذي جعلها نسخة مشوَّهة عن النظام الذي ادّعت أنها تحاربه، لكن الأكيد أن الميدان السوري سيشّكل الوجهة الحاسمة لأي مفاوضات أو نتائج تنجم عنها، وكما يبدو - لغاية الآن - أن الميدان يلعب بشكل قوي لصالح النظام، كما يبدو واضحاً من خلال إعلان فيينا، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، أن ما سمي يوماً "الورقة الروسية"، وقبلها "الإعلان الايراني" عن تصوُّر لحل سوري، هو الذي سيتحقق. وهكذا، سيكون الجميع بانتظار فرض الحل في الميدان لتحصيل الأوراق، ومن يحصل على ماذا، ويبقى في هذا الوقت للمعارضين السوريين هامش التنافس فيما بينهم، ليُثبت كل واحد منهم نفسه أنه مؤهَّل ليكون شريكاً للنظام في المرحلة المقبلة.