الأنوثة المقنعة : في رواية "شقة الجابرية"عالية شعيب
 
العرب نيوزرؤوس - اقلام ) بقلم الدكتورة فائزة عليلو - تشكل رواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد)للكاتبة الكويتية "عالية شعيب" نصا سرديا مميزا في الثقافة الكويتية المعاصرة، نظرا لارتباطه بجانب من الواقعالمشرقيالمعيش في مختلف تجلياته السوسيوثقافية، فهوإنجاز لفظي له خصوصياته المتميزة، إذ يدعو قارئه للإسهام في إعادة إنتاجه والإضافة إلى دلالته،وخاصة وأنه نص مفعم بشتى الدلالات التي تخصب وتثري خيال الملتقى حول موضوع ظاهرة السحاق.
 
فأين تتجلى استراتيجيات عتباته النصية؟وما هي تجليات إنتاج الدلالة فيه؟ وما هي أبعاده الرمزية؟
 
I- العتبات النصية: أبعاد ودلالات
مما لا شك فيه أن الرسوم والصور الفوتوغرافية وغيرها صور أيقونية للنصوص الملحقة، إنها شيء من النص، إن لم نقل إنها نص بحد ذاته، ولهذا السبب "لا يبدو خلوا من الإفادة الحديث عنها في إطار تكريساحتمال النص"( )، إذ تشكل الأيقونة نسقا دلاليا يواكب النسق الدلالي اللغوي ويتماشى ورؤيته وغايته، وهذا ما سنحاول الكشف عنه عبر الاشتغال النصي على الرواية قيد المقاربة.
 
لما كانت "الأيقونة علامة دالة تمتلك بعض خصائص الشيء الممثل على حد- تصور موريس( )-وكونها لدى أمبيرتو إيكو (Umberto Eco)"تنتج بنية إدراكية تتطابق مع التجربة الواقعية"( ). فالأيقونة التي تطالع القارئ في غلاف رواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد)( )تبدو أنها أكثر تأثيرا، وأشد جاذبية وأقوى على بصم ذاكرة المتلقي، إذ يلمح في الواجهة الأمامية للغلاف صورة لامرأة شقراء، بتسريحة قصيرة (Cheveux dégradé) ولباس أوروبي بسترة لونها برتقالي فاقع،وتنورة سوداء قصيرة، تكشف عن ركبتيها العاريتين، وكعب عال تقف بكل عنفوان، كأنها توشك على الخروج من الشقة، التي يبدو بابها نصف مفتوح وملامح يد خلف الباب – المصبوغ بلون بني – كأن صاحبها يتلصص عما يقع بالداخل. وأعلى الصفحة كتب عنوان الرواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد) بلون أصفر وفي النصف السفلي اسم الروائية د. عالية شعيب.
 
وعموما فالرواية تقع في 192 صفحة من القطاع المتوسط، وتصدر الروائية روايتها "شقة الجابرية"(باستا الجسد) بعبارة "من يؤجل كل هذا العمر ليزرع شجرة وليمة تعدها" وبعدها فهرس بمواضيع الرواية استهلتها المؤلفة بعيون هي عبارة عن أقوال وحكم منتقاة  لبعض الشعراء والأدباء على مر العصور، وتنقسم الرواية إلى فصول ولكل فصل عنوان هو كالآتي:
 
الفصل الأول/ بحر الورد
الفصل الثاني/ متاهة
الفصل الثالث/ دبوس حنين
الفصل الرابع/ ريش التناقض
الفصل الخامس/ فودكا
الفصل السادس/ كحل الأوزة
الفصل السابع/ تفاحة الشهوة
الفصل الثامن/ رئة الملح
الفصل التاسع/ فتاة المكدونالدز
الفصل العاشر/ خصلة عهر
أما الواجهة الخلفية للرواية فتتصدرها فقرة مميزة مقتطفة من رواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد)،وعلى اليمين اسم دار التوزيع والنشر: دار الياسمين، أما أسفل الصفحة في الجانب الأيسر فهناك صورة فوتوغرافية للروائية د. عالية شعيب.
ولعل الساردة تلخص في هذه العتبات مضمون روايتها حول عالم أنثوي حالم يشوبه الازدواجية والانفصام هربا من واقع أليم، وبحثا عن دفء افتراضي وتعويض لكبت خفي متجل في ممارسة الرذيلة –السحاق– كرد فعل للنقص الذي تعانيه هؤلاء النسوة ومحاولة تعويض ذلك في غياب تام للذكورة، وإقصاء متعمد للرجل، فيلجأن إلى القناع.
هذا عن العتبات النصية فماذا عن الدلالات المنتجة من خلال هذا النص الروائي الموسوم بـ "شقة الجابرية" (باستا الجسد)وما أبعاده الرمزية؟ لذلك سنسعى للإجابة عن هذه التساؤلات والكشف عن مراميها وسبر أغوارها عبر الاشتغال النصي على رواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد) للمبدعة د. "عالية شعيب".
II- الجوانب الدلالية والرمزية للرواية:
 
إن العمل الإبداعي عموما والروائي بشكل خاص هو انتماء لمجتمعه، وبهذا تتقاطع في الرواية حقول معرفية متعددة، منها تاريخ الحضارة وعلم الاجتماع، لاسيما وأنها تلقي الضوء على الواقع العربي المعاصر في دول الخليج، حيث تغييب الضمير واستشراء الفساد في شتى الميادين، وتجميل الواقع بالمؤتمرات والمقالات على حد تعبير الروائية: "نحارب الفساد بمؤتمراتنا ومقالاتنا التي تمر على مقص الرقيب، والسكين المسنونة على رقابنا"( )، وأيضا إشارتها إلى قوة سلطة المال التي تهيمن على كل شيء "من يملك الدينار، يملك الهوية والجواز الذهبي للرضا والقبول"( )، وأمام هذا الواقع المزري البئيس تغيب القيم الأخلاقية، وتهمش الحقوق، مما يؤدي حتما إلى انتشار الفساد، وظهور آفات اجتماعية خطيرة كالدعارة المقنعةوالسحاق.
 
* إنتاج الدلالة في رواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد)
إن رواية "شقة الجابرية"(باستا الجسد)تحكي عن ثلة من النساء اللواتي لديهن ميول لعشق النساء –بمعنى أنهن سحاقيات – إذ تجتمعن في شقة بحي الجابرية، وهو أحد الأحياء الراقية بالكويت، ويتقاسمن اكتراء هذه الشقة لأجل ممارسة شذوذهن،بعيدا عن رقابة المجتمع الذي يجرم هذا الفعل الشنيع، ضاربين بعرض الحائط كل الأعراف والتقاليد والقيم. وفي نفس الوقت يعشن حياتهن بشكل طبيعي داخل المجتمع تحت قناع الورع والتقوى فمنهن الزوجة والابنة وذات المنصب المرموق. تقولالساردة: "كون القناع غلاف يفترض أنه يعكس الشخصية خلفه، هذا كان في المسرح. ثم تحول مع الوقت وتزايد شرور الناس للعكس، فأصبح القناع يعاكس ويناقض الشخصية، ويخفي قذارتها. فهل يمكن للناس احترامنا دون أقنعتنا، ففي وضعها هي مثلا، تخفي هويتها كسحاقية تحت قناع الابنة الفاضلة الراعية لأمها، مما يكسبها شرعية سحب المال منها وصرفه على ملذاتها، كما تمنح المجتمع وأبيها ومن تتعامل معهم يوميا قناع الفاضلة المحجبة، مما يمنحها القبول ويفتح لها الأبواب والنوافذ والشرفات لتسهيل حياتها، بينما تخفي حقيقتها خلف الأبواب الموصدة في "شقة الجابرية"، والأقنعة أفعال أيضا، فقناع البخيل الكرم، وقناع المغرور التواضع، وقناع الحزن الضحك والمرح، وفي حالتها، قناع العاهرة، الفضيلة والطهر.
ألا يخفي الحذاء الجوارب الممزقة، وألا يخفي الجاكيت القميص البالي بياقته الفاخرة. وألا تخفي العباءة، قميص النوم الشفاف تحتها، وألا يخفي الحجاب الشعر المنكوش أسفله، وألا يخفي القناع الحقيقة الشائكة"( ). تجلت هذه الأقنعة لدى هؤلاء النسوة العاهرات في التخفي من الناس لأجل التنفيس اللامحدود عن شهواتهن بكل أشكال الغواية، بينما يظهرن بشخصيات راقية، بل وأحيانا ملتزمة في المجتمع.
 
وقد حاولت الكاتبة د. عالية شعيب إماطة اللثام عن ظاهرة السحاق في المجتمع الخليجي، وأرجعت سبب ذلك لمجموعة من العوامل كالخلل في الهرمونات، أو التعرض للاغتصاب أو التنشئة مع الصبيان أو غير ذلك.على اعتبار أن المجتمع ساهم إلى حد بعيد في ممارسة الظلم والقهر عليهن.
لعل رواية "شقة الجابرية"(باستا الجسد)تعالج موضوعا ملتبسا بامتياز ناهيك عن نبذ الدين والعرف والمجتمع لظاهرة السحاق يتبادر للذهن جملة من الأسئلة الشائكة:
 
- لماذا تلجأ المرأة إلى خلق علاقة مع نظيرتها المرأة؟
- أليس ذلك ضرب لكل أعراف المجتمع؟
- لم يتم إقصاء الرجل بهذا الشكل الفظيع؟
- أليس في إقصاء الرجل موقفا عدائيا للمجتمع ككل؟ عبر الانسياق وراء الشهوة ولا شيء غير الشهور دون راذع أخلاقي، وضرب لأهم ركيزة من ركائز المجتمع وهو استمرار النسل.
وفي هذا السياق تصور الروائية هذه العلاقة المريبة،إذ لابد لإحدى المرأتينأن تتقمص دور الرجل،بل إنها أحيانا قد تلجأ إلى القسوة والعنف "مسحت بها ملامحي وجهي منحدراتهمرتفعاته، أمطرتها قبلا، رسمت عليها وطرزت بفمي بشفاهي بلساني وهي ترمي رأسها للخلف، تتأوه وتمط الآهة، وتسحبني معها للعمق أكثر فأكثر .. قبلت كل أصبع وتركته في فمي يشبع وأشبع، شربته وشربني، فجأة سحبت ساقها وركلتني بشدة على رأسي ككرة، كقذارة، كشيء وضيع، رمتني بعيدا صرخت آه .. جررتنفسي وبدأ الألم يغزوني بوحشية ما حدث، كانت خصلات شعري ودمائي وملابسي الممزقة على الأرض، هي تنام كطفلة في الفراش، وأنا جثة تفيق على مهل من موتها"( ).وهذا يذكرنا بالعلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة التي قد تشوبها القسوة أحيانا.لكن في هذه العلاقة أيضا قد تبدو المرأة أكثر تفهما لجسد نظيرتها المرأة، وأدرى بمكامنالمتعة. يظهر ذلك في إشارة الساردة:
 
"لا براءة، والعشق يفتك بشهيق اللحظة تبتهل لعطر الشمعة يرحمها.
لا خطيئة والجمال طبقات سبع، تتراكم ولا من مغيث.
لحبة القمح روح، تلتهمها نار الغواية.
للتعدد اتحاد، كأناقة الشراشف الموغلة في بدن الاشتهاء، الكل يستحيل جسد.
والجسد وحيد في الزاوية يبكي.
يا أنت يا هي يا أنتن، من تحمل المشعل أولا.
من تمسك بخصر الأخرى أولا وترسم حوله خرائط القبل، وهطول الورد، وانفجار المدارات والنيازك، من تنفخ النفس أولا وتدخر الموت ثانيا.
من تعوي أولا ومن تنبح آخرا.
من ستتخذ دور الذكر ومن ستكون الأنثى، من ستسقط على الأخرى ومن ستصعد تاليا"( ).
ورغم قداسة الحب إلا أنه قد يصير فاحشة "ففي الحب، أول الدروس، هو أن لا دروس.
فالخطأ مطلوب، للتمكن والتحكم، وغرفة النوم هي الفصل الأول، والجسد كتاب، الفن قلم والشهور دفاتر، أريكة الصالة، فصل ثان، وطاولة الطعام ثالثا، والمقعد الخلفي في سيارة الفجر رابعا، وتتوالى الدروس، وتكتب الصحائف، وتسرد الحكايات"( ). لتبقى الضبابية هي ما يسمهذه العلاقات الغامضةبين العاهراتوالموغلة في درب الغواية "أليس العهر قيد تكبل به الروح بشهواتها ونزواتها"( )، فتبقى نهاية كل عهر عذاب وألم ووجع.
وهكذا يمكن القول إن رواية "شقة الجابرية" (باستا الجسد)تعالج آفة اجتماعية خطيرة تمس كيان المجتمع العربي والخليجي على الخصوص، فحين تلجأ المرأة إلى التخفي لممارسة السحاق، فهذا يعني أيضا أنها تلغي الرجل من حياتها بشكل تام، كرهها للرجال يجعلها تظن أنهم مجرد مكائن للتفريغ، "كانت تقول، أكره كل ما له علاقة بهم، شكلهم رائحتهم، لمساتهم، مقززة ولا أحتملها، الرجل خلق إما ليكون خادم خاضع للمرأة، تستخدمه كما تشاء حين تشاء، ولتنجب منه ثم تركله بعيدا عنها بعد أن أشبعت حاجتها للأمومة"( ). وهذا يشكل خطرا على بنية المجتمع، كما أن هذا ينذر بأن خللا ما يعتري العلاقة الطبيعية بين كلا الطرفين، "(ألا تظنين أن البنت لا تتحول لسحاقية من فراغ، ألا تعتقدين أنه بسبب قرفها من الرجال، وطول انتظارها لفارس الأحلام الذي لا يجيء لا على فرس أبيض ولا على جمل أو حتى ماعز، سواء العزباء أو التي تزوجت وصدمت، ثم تيأس، ولا يكون أمامها إلا النساء، لتبحث عن فارستها بينهن)"( ) خلل جعل المرأة تصاب بنوع من الجنون وهي تبحث عن الشهوة لا غير في جسد مماثل لجسدها، رامية بكل القيم والمبادئ وهي سائرة نحو الهلاك لا محالة.
 
 
ومضة الختام:
ومن تم فإن اختيار الروائيةد. عالية شعيب لهذا الموضوع –السحاق– محورا لروايتها، هو نوع من الغيرة على بنات جنسها في هذا المسار المعتم، ورغبتها في التحسيس بهذه الظاهرة التي تقود المجتمع حتما للهلاك، ولعل احتواء الظاهرة لن يتأتى إلا عبر الاقتراب من هؤلاء النسوة وجبر انكساراتهن وملاءمة احتياجاتهن بإنسانية مثلى عسى يعدن إلى حياتهن الطبيعية، عبر توفير مؤسسات نفسية مختصة قصد إنقاذهن من براثن العهر والدنس، وإقامة جلسات استماع لهن قصد معالجة انحرافهن لأجل الحد من استفحال هذه الظاهرة المشينة في المجتمع الشرقي برمته، وتبقى الرواية منفتحة على شتى القراءات لمزيد من الإيحاء والتحليل والدراسة.