أزمة اقتصادية تستفحل والمعالجة تكرر نفسها · 
 
العرب نيوز ( رؤوس -أقلام )  بقلم معالي الاستاذ بشارة مرهج - الأزمة التي يعيشها الاقتصاد اللبناني اليوم ليست طارئة وانما قديمة أفصحت عن نفسها عبر المراحل في نزوح الارياف الى المدن وتضخم أحزمة الفقر المحيطة بها، كما في الهجرة الكثيفة للبنانيين الى الخارج.
 
ورغم كل الدعوات والاحاديث عن الاصلاح والتصحيح لا زال الوضع الاقتصادي يشكو من نفس الاختلالات البنيوية التي لازمته منذ فجر الاستقلال حتى اليوم. واذا كان الاقتصاد الوطني قد شهد مراحل قصيرة من النمو والازدهار فيعود ذلك بالدرجة الأولى الى ظروف أقليمية استثنائية أدت إلى تدفق الرساميل والودائع والخبرات الى لبنان مما ساهم في تغطية اقتصاده المكشوف المعتمد على الخدمات .  أما قطاعي الزراعة والصناعة  - وما يمثلانه من قدرة على استيعاب اليد العاملة ورفد الانتاج وتأمين نوع من الاستقرار للاقتصاد الوطني – فقد "حظيا" على الدوام بإهمال الطبقات الحاكمة المهجوسة بالريع والربح السريع.
 
اليوم تستمر سلبيات الماضي ويتوسع ويترسخ  الخلل البنيوي في ظل تمركز رأس المال بيد قلة، وتفشي البطالة، واستشراء الفساد، وتنامي عجز الموازنة، وانتقال هذا العجز الى ميزان المدفوعات نفسه الذي كان الى سنوات خلت يحقق فائضاً ملموساً يحمي المالية العامة.
 
وطيلة السنوات الماضية لجأت الحكومات الى السياسة النقدية لاحتواء الأزمات والمحافظة على العملة اللبنانية فكانت تلك الأزمات وتلك السياسة المعتمدة على الاستدانة ورفع سعر الفائدة فرصة لأصحاب الرساميل والمصارف لزيادة ثرواتهم بشكل لم يسبق له مثيل مقابل تفاقم أزمة الاقتصاد الوطني الذي أصبح مدينا بأ كثر من 85 مليار$.
 
ونتيجة لكل ذلك أصبح الأقتصاد أسير دوامة تخرجه من أزمة مكلفة لتدخله في أخرى أكثر كلفة بحيث يواجه الحكم اليوم أزمات مستعصية تجبره على سلوك درب الاصلاح والبحث الجدي عن حلول ناجعة لتفادي خطر الانهيار.
 
ولما كانت الطبقة الحاكمة لا تزال متمسكة بنهجها المعروف فلا ترى حلاً إلا بزيادة الضرائب والرسوم من جهة وزيادة  الاستدانة من جهة أخرى مما يزيد العبء على الطبقات المحدودة الدخل ومما يزيد الضغوط على المالية العامة نفسها، فقد صار من الضروري تكتيل القوى المنتجة والمتضررة لمجابهة الطغمة المالية ووضع حد لسياساتها الفاشلة، اذ ما من عاقل يزيد الضرائب والرسوم في فترة تتسم بالنمو بالبطيء، وما من عاقل يقبل باستمرار عقلية المحاصصة التي انعكست مؤخراً على صعيد الحكم تخبطا في الرؤية وتناقضاً في المواقف. لقد اصبح واضحاً ان الحل لديهم يكمن في جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود متجاهلين مليارات الدولارات التي صبت في جيوب المستفيدين من بدعة الهندسة المالية.
 
ان هؤلاء المستفيدين من المال العام والذين يلقون المحاضرات اليومية على الملأ داعين للاصلاح الاقتصادي عليهم أولا إعادة المال الذي أخذوه في غفلة من الزمن وعليهم ثانياً استخدام اموالهم الخاصة لتغطية الخسائر التي أوقعوا بها مصارفهم جراء استثماراتهم وتوظيفاتهم ومضارباتهم الخارجة على اصول العمل المصرفي ومندرجات قانون النقد والتسليف.
 
ان الوصفة التي يقدمها اهل الحكم اليوم لحل الأزمة الاقتصادية هي نفس الوصفة التي أدت بالامس الي تفاقم الأزمة التي نشهد اليوم وما فشلهم في تشكيل الحكومة على مدى سبعة أشهر إلا برهان ساطع على عجزهم عن انقاذ البلاد او على الأقل اعطائها فرصة – مجرد فرصة – لمجابهة الأزمة الحالية وتجنب مضاعفاتها التي تتفاعل يوماً بعد يوم خصوصاً في ظل الاصرار على تقاذف الاتهامات، وتضييع المسؤوليات، ورفض التعامل  الواقعي مع الشقيقة سورية لبناء علاقات متوازنة وازالة الاحتقان القائم وفتح الحدود أمام الصادرات اللبنانية وتحريك عجلة الترانزيت، وتشغيل الموانئ والمطارات، وتسهيل عودة النازحين. انهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأن التعاون مع سوريا ميزة تفاضلية لا بديل منها لتحقيق الاستقرار وخصوصاً على المستوى الاقتصادي ومع ذلك يكابرون وينبهرون بنصائح الامريكي المهتم أولاً وأخيراً بمصالح الكيان الغاصب.
 
واذا كان البعض لا يزال مصراً على السياسات الفئوية الضيقة ومحاصرة الذات والاقتصاد فإن أكثرية اللبنانيين تريد من الحكم والحكومة مجتمعين ان يبذلا جهوداً استثنائية للانفتاح على سوريا الدولة وتحقيق مشاركتها في القمة الاقتصادية العربية إنفاذاً للحق  من جهة، وتحقيقاً للمصلحة القومية من جهة أخرى، علماً بأن ذلك من شأنه ايضاً فتح الطريق نحو أجواء ايجابية للمشاركة في إعادة إعمار البلد الشقيق مثلما يطرح فرصة لعقلنة العلاقات العربية – العربية وإيقاف عمليات التطبيع مع الكيان الصهيوني التي تلحق أشد الأضرار بالقضية الفلسطينية والمصالح العربية  القومية على حد سواء.
 
من الصعب جداً في هذه العجالة تقديم اطروحة متكاملة للانقاذ الاقتصادي في لبنان، ولكن نقطة البداية تكمن في الاقلاع عن السياسات الحالية التي أدت الى تفاقم الازمة المالية والنقدية وانتفاخ جيوب الطغمة السياسية المصرفية التي تتذرع بالازمة نفسها لتكرار التجربة التي أوصلتنا الى حافة الهاوية.
 
 
 
     
 
 
 
Editor-in-Chief