العواطف ودورها في السيطرة على الإنفعالات

 
العرب نيوز ( رؤوس - أقلام ) بقلم د. ياسمين القطامي - وذات صباح.. تستيقظ متأخرا عن موعد العمل (تفزع).. تنهض مسرعا في دقائق تتجهز وتنصرف.. يزدحم الطريق (تتوتر).. يستقبلك مديرك بنظرة فاحصة (تقلق).. يلومك يزجرك يحذرك (تخجل).. تسمع أنباء عن ترقية زميل (تشعر بغيرة).. تتراكم الأعمال على مكتبك (تمل).. ينتهي موعد العمل دون إنجاز (تحبط).. تعود وزوجتك لا تكف عن الشكوى (تغضب).. يأتيك اتصال يخبرك بوفاة قريب (تحزن).. تدخل غرفتك مهموما متجهما (تكتئب).. تفترسك أفكار المرض والرحيل (تخاف).. تخر قواك.. تنهار.. يغلبك النوم.. وتنام.. لتستيقظ في الصباح التالي وقد تأخرت مجددا عن موعد العمل.. يا عزيزي إنها حلقة العواطف المفرغة!
 
يظن الناس أن العواطف جياد جامحة لا لجام لها.. ووحوش كاسرة لا سلطان عليها.. وأنهم أسرى لدى المثيرات تأخذهم كيفما شاءت وحيثما ذهبت.. وحقيقة هذه هي الخدعة العظمى والوهم الكبير.. فقد أثبت العلم أن الإنفعالات مكتسبة.. وتظهر وفقا للبرمجة السابقة التى يكون عليها الفرد.. حيث يختزن في أعماقه مجموعة من الأفكار والقناعات التى تحدد نمط استجاباته على الأحداث.. وهذه بدورها تختلف من شخص لآخر.. والدليل على ذلك شديد الوضوح.. لماذا يستجيب الناس إستجابات مختلفة على نفس الظروف؟ فما تعده أنت مزعجا يستمتع به غيرك وهكذا.
 
 وتتألف العاطفة من أربعة عناصر هي الأفكار- المشاعر- الأحاسيس الجسدية- السلوك الخارجي.. فالخائف مثلا يفكر في الخطر، ويشعر بالذعر، ويحس بخفقان قلبه، ويهرب ويختبئ.. وربما يذهب به خوفه إلى أبعد من ذلك بكثير.. هذه العناصر ترتبط فيما بينها وتتفاعل.. بحيث يدل أي منهم على الآخرين.. كما أن تغيير أحدهم يغير الآخرين مباشرة.. فمثلا عند تغيير وجهة نظرك في شخص ما تتغير تلقائيا مشاعرك تجاهه وبالتالي سلوكك نحوه.. أيضا تغيير وضعية الجسد من الجلوس إلى التمدد يمنحك شعور بالإسترخاء.. الوقوف بثقة يشعرك بالثقة.. التبسم أمام المرآه لدقائق يشعرك بالبهجة وهكذا.. ولكن رغم كل هذا الإتساق بين عناصر العاطفه إلا أننا لا نتمكن أحيانا من تمييز عاطفة شخص ما من سلوكه الظاهر.. ويرجع ذلك لسببين: الأول أن الإنسان عادة لا يمر بعاطفة واحدة بشكل خالص.. وإنما تكون هناك عاطفة رئيسية تطرأ عليها عواطف أخرى فتتأثر الصورة النهائية.. لك أن تتخيل شخصا مكتئبا يسمع نكتة.. فستجده يكتفي بإبتسامه متحفظة أو ضحكات مكتومة مما يصعب تمييز عاطفته بشكل جلي.. والسبب الآخر هو ميل الناس إلى إخفاء مشاعرهم كما تعلموا ذلك من أسلافهم.
 
والآن كيف تسيطر على عاطفتك؟
 
سأطرح عليك ما يقدمه علم البرمجة اللغوية العصبية في السيطرة على الانفعالات..
1. تغيير المعتقدات
عليك أولا مراجعة جميع القيم والمعتقدات المتعلقة بالعاطفة المراد التخلص منها ثم تنشيط القيم والمعتقدات والأحاسيس الداخلية المتعلقه بالعاطفة المراد اكتسابها ويفيدك كثيرا تمرين حرق المعتقدات المشار إليه سلفا في مقال النية مقابل الرغبة- راجع المقال.
 
2. وضعيات الجسد:
استعد بجسدك الوضعية المصاحبة للعاطفة المطلوبة .. فإذا كنت تبحث عن الثقة.. فتمثل وقفة الواثق، وضعية الأكتاف، العنق، الرأس، الفك، تعابير الوجه، نظرة العينين، نبرة الصوت، ولغة الواثقين.. نشط الأحاسيس الداخلية من تنفس منتظم واحساس بالدفء وانشداد عضلات.. كرر ذلك كثيرا.. لاحظ الآن ما يحدث فيما يدخل جسدك هذه الحاله بمزيد من التفاصيل.
 
3. الرابط..
هو إشارة ملموسة تثير حالة نفسية مطابقة.. وعالمك ملئ بالروابط دون إدراك منك.. فمثلا عندما تمسك بعصا تشعر بالأمان، تنظر لأعلى فتشعر بالثقة، انحناء رأسك للخلف يشعرك بالاسترخاء.. ملء الرئتين بالهواء يشعرك بالهدوء، التفكير في الدفء يشعرك بالحب وهكذا.. فماذا لو صنعت من هذه الروابط طقوسا يومية.. فمثلا إذا شعرت أن التمطط في الصباح يمنحك القوة فلما لا تحوله إلى طقس يومي وهكذا.
 
4. التجربة المرجعية..
هي تجربة محددة حدثت في مكان وزمان محددين في حياتك وتسترجعها عندما تستدعي عاطفة معينة.. مثلا اذا ذهبت الى العمل شاعرا باسترخاء فيمكنك ان تسترجع وقت العمل فتشعر بالهدوء.. فهنالك علاقه وثيقة بين التجربة المرجعية والعاطفة المصاحبة لها.. وكل منا لديه مجموعه من الذكريات يمكن لها أن تكون مخزونا للتجارب المرجعية.
 
5. طريقة الإنفصال والإرتباط..
)مثال: التخلص من الخوف واكتساب الثقة) 
 الإنفصال: هو أن تنظر إلى الموقف بعين المراقب كأنك تشاهد فيلما أنت تمثل فيه.. فمثلا عندما تخاف من أمر ما انفصل عنه وعالج المشكلة بمنطق.. اعرف المخاطر المرتبطة بالمشكلة بشكل عقلاني فإن توصلت إلى أنك تستطيع معالجة الأمر والتعامل مع المخاطر فهذا يعني أنك لا تحتاج إلى القلق بعد الآن.. عندما تتغير أفكارك ستتغير مشاعرك.. وقد آن لك أن تشعر حيال الأمر بطريقة أخرى.
الإرتباط: هو الإندماج في الموقف وكأنك تعيش التجربة بالفعل.. يمكنك أن تتذكر حدثا بالماضي كنت فيه شجاعا.. انغمس فيه بحيث تندمج في كل تفاصيله من مشاهد واصوات وروائح ووضعيات جسد.. تمثل الموقف كما لو كنت به فعلا واستمد منه القوة..  (إن لم تجد فاستحضر شخصا تعرف فيه الجرأة والثقة.. فإن لم تجد فاستحضر شخصية في رواية أو مسلسل تلفزيوني كانت تؤدي بثقه وثبات.. في كل الاحوال حاول ان تضع نفسك مكان هذا الشخص وعش الحاله بكل ما فيها من مشاعر وحركات واصوات والوان وردود أفعال) إلى أن تشعر بالثقة.. هنا فكر في مشكلتك من جديد وأعد تقييم الحاضر.. ستكتشف حلولا كامنة.. فقط لأنك استعدت الثقة.
أن تنفصل عن الأحداث الأليمة لتتعلم منها.. وترتبط بالذكريات السعيدة لتستفيد بها.. هذا هو المطلوب.
 
الآن جاء دور التمرين الرائع والشهير للتخلص من انفعال سلبي والوصول إلى العاطفة المرجوة (مثلا التخلص من الخوف واكتساب الثقة) وهو مبني على تقنيات الإنفصال والإرتباط وتركيب الرابط المشروحة أعلاه..
☆ تمرين ال10 خطوات:
1. حدد المطلوب (التصرف بثقة) وفكر جيدا في مواصفاته.
2. ابحث عن تجربة من الماضي كنت تتصرف فيها بثقة.
3. اختر مكانا بالغرفة وارسم فيه دائرة على الأرض.
4. تذكر التجربة المرجعية وادخل الى الدائرة.. استرجع كل التفاصيل بكل الحركات وانغمس في المشاعر.
5. اخرج من الدائرة وتخلص من التجربة.. اختر رابط مادي مثلا مسك الزند الأيسر باليد اليمنى -أو أي رابط آخر- .
6. ادخل الدائرة واستدع الحالة وانغمس فيها ونشط الرابط.
7. اخرج من الدائره وتخلص من التجربة.. اختر كلمة رئيسية بالإضافة إلى الرابط.. مثل كلمة "نعم".
8. عد إلى الدائرة ونشط التجربة والرابط والكلمة.
9. كرر الخطوات 7،6،5،4 لتعزيز الرابط.
10. فكر في موقف مشابة في المستقبل وتخيل أنك تنشط الرابط فيحرك مشاعر جديدة فيك.. انتهى التمرين كرره.
**  كلما تعرضت لموقف تحتاج فيه إلى الثقه.. نشط الرابط (مسك الزند الإيسر(.
 
أخيرا.. إن العواطف بذور إن زرعتها في غيرك حصدتها في نفسك.. بمعنى أنك إذا هدأت روع مذعور عاد عليك ذلك بالأمن والهدوء.. عزيزي.. عواطفك بين يديك.. لو تمكنت من تغيير نمط استجاباتك على الأحداث لتخلصت من جل آلامك وكل همومك ولتلونت دنياك بلون الورد.. نعم يمكنك الآن أن تفهم.. أن الفرج بات وشيك وأن العاطفة أصبحت إختيار.
 
 
 
    
 
 
 
Editor-in-Chief