ذكريات لا تموت
 
العرب نيوز ( رؤوس - أقلام )  بقلم الزميلة  خنساء السعيد - لايعرف بغداد إلا من عاش فيها ولايتحسر عليها إلا من ذاق حلاوة نعيمها وعاصر تدهورها كأنثى شابت على حين غرّه.
 
عشنا في نعيمها وترعرنا في جنبات جدرانها وأزقتها ونهلنا من علم أساتذتها الذين كانوا نعم المعلمين والمربين ليس للعراقيين فحسب وانما للعرب جميعا،فكم درس فيها عرب من كل الجنسيات وتخرجوا من جامعاتها التي كانت صروحاً في العلم يشهد لها القاصي والداني، وحلماً لكل طالب علم يسعى للأفضل.
 
كانت تتربع على عرش النمو بين دول المنطقه واخذت تخطو خطوات ثابته نحو مستقبل افضل ليس لابناءها فقط، إذ باتت قبلة للباحثين عن فرص العمل وللحالمين بوضع افضل لهم ولأُسرهم، وقد شكلت العماله المصريه الرقم الاعلى بين القاصدين والعماله السودانيه وكثير منهم تزوجوا وانجبوا وذابوا في المجتمع العراقي حتى باتوا كجزء لايتجزء منه.
 
كنا نسمع من الوالد رحمه الله ان العراق كان في رخاء حتى انه كان من اوائل الدول في الشرق الاوسط الذي استثمرت فيه شركات كبيره كشركه بيبسي كولا، واول دولة عربيه دخل لها التلفزيون حتى ان النساء حينها كانت تلبس العباءه لظنهم من ان الذي يظهر في الشاشه يراهم ويسمعهم،وانه كان هناك هاتف ارضي وراديو في حين مازالت هناك دولا تفترش الرمال وتلتحف السماء، ولايعرفون الكهرباء اصلاً.
 
كنا نذهب الى المدارس صباحاً ومن يتاخر لايدخل إلا بولي أمره ومن يخالف الزّي المدرسي يسجل غائبا يومها ، وكانت المدرسة تنتهج نظام التعليم الحديث عن طريق العرض الجداري فقد كانت افلام كورينت التعليميه هي وسائل الايضاح المستخدمة،وكذلك الحصة الغذائيه التي كانت عباره عن حصة لتوزيع الغذاء على الطلاب والتي كانت تشمل جبناً او بيضاً مسلوقاً ،خبزاً،حليب محلى وقطعة فاكهة.
 
واستمرت الأوضاع جيده وسيادة القانون في كل مكان ،الشوارع والمحلات لاتطفئ اضواءها للنوم الا في وقت متاخر من الليل وفي أماكن تبقى الى بزوغ فجر يوم جديد.
 
اندلعت الحرب العراقيه الايرانيه وبقيت بغداد تنعم بالامن والأمان وأهلها يتنعمون بخيراتها فبالرغم من أن سعير الحرب مندلعة ألا ان عجلة الانتاج لم تتوقف في المصانع والمشاريع قائمة وتحت التنفيذ ،بلد يعمل بيد ويقاتل باخرى.
 
ثم دخل العراق في منعطف غيّر حياة الناس والى الان مازلنا ندفع ضريبة ماحصل وهو دخول الكويت، وماجاء بعدها من حصار استمر ثلاثة عشر عاماً توقفت عجلة الصناعه والتطور وبدا البلد يدخل في منحدر رهيب ،فزاد مستوى الفقر والبطالة،وشحت المواد الغذائية وعلى الرغم من كل ذلك تم اصلاح الجسور والبنى التحتيه التي دمرتها دول التحالف بالقصف المكثف على بغداد بمجرد توقف القصف، وعادت الأمور طبيعيه في البلد لكن هناك نار تحت الركام لم تنطفئ بعد.
 
دخل الامريكان لبغداد وكان يوما لاينسى بكل مافيه من تفاصيل فان تنام وتصحى لترى دبابات تقف في تقاطع الطرق هذا شيء لم يحدث ابدا ان تضع سلاحك بالقرب منك لتقوم على صفارات الإنذار وتدافع عن بغداد فتقوم من نومك لتجد كل شيء قد انتهى وبغداد قد اُحتلت فهذا مالم يفهمه حتى العراقيون انفسهم كنا نقضي الساعات في شحن الهمم وكيف سنقضي عليهم لو دنسوا بيوتنا ليتفاجئ الجميع بانهم على أبواب المنازل شيء لايصدقه عقل ودخل الجميع بدوامه ضياع البلد وضياع سلطة القانون .
 
فتح الامريكان الأبواب للجميع وصار ضعاف النفوس يسرقون كل شيء يخص الدولة من قصور ومتاحف ومؤسسات كانت هناك يد خفيه تعمل لردم هذا البلد تحت التراب اصبحنا نرى وجوها لم نراها من قبل وجوهاً كالحة ليس فيها مايقول  انها عراقية  ولم يكن صعباً على أي عراقي ان يميزها جيدا.
 
صارت هناك أصواتا نشاز تحث على الطائفية وتسعى حثيثاً لتمزق نسيج المجتمع الواحد وبعد ان كان السني اخو الشيعي والكل يتشارك في نسب واصل واحد اصبح هناك من يبحث عن السني ليقتله والعكس وصار البحث عن العلماء الذين شاركوا في البرنامج النووي وتمت تصفيتهم ثم انتقلوا الى الأطباء والمفكرين فصار الهروب من بغداد مطلب للجميع بعد ان كثرت الغربان الناعقه بالتفرقه العنصريه والتهديدات التي باتت تحيط بالمواطن العراقي كما يحيط السوار المعصم من كل الجهات فان سلم من القتل لن يسلم من الاعتقال وان سلم من الاعتقال لن يسلم من التفجيرات التي تسمع دويها في كل ارجاء بغداد.
 
 تفرق اهل البلد في ارجاء الأرض وصار البحث عن وطن بديل وبدل ان كانت شهرزاد تحكي قصص الف ليله وليله صارت شهرزاد تحكي قصص بغداد لاولادها في كل يوم وليله لكي لاينساها ابناءها الذين ولدوا خارج ترابها ولكي يعودوا يوما ويغسلوا مالحقها من اذى وهم يغنون.... وهل خلق الله مثلك في الدنيا اجمعها !!! 
 
رغم مرارة الحسرة على بغداد وانوارها التي كانت تسطع على كل بقاع المعمورة والقلوب تنزف عليها 
دماً، الا ان بغداد تمرض ولا تموت ومثلما مات هادمها سيموت سارقها وسيلعنهم التاريخ والاجيال القادمة ويوما ستعود  فجراً للبلاد والعباد....