|
الثلاثاء، الموافق ١٢ مايو ٢٠٢٦ ميلاديا

د.عماد برّو “يوم المرأة العالمي بين جذور الوطن وآفاق الاغتراب

العرب نيوز ( رؤوس – اقلام ) بقلم الدكتور عماد برّو – مع حلول “اليوم العالمي للمرأة” يتجدد في وجدان الجاليات المهاجرة سؤال الهوية والعدالة معًا: كيف نحمل قيمنا معنا إلى الوطن الجديد؟ وكيف نُعيد صياغتها بما ينسجم مع مبادئ المجتمع الذي نعيش فيه؟

بالنسبة للجالية اللبنانية–الأسترالية، لا يمرّ هذا اليوم كاحتفال رمزي، بل كمساحة تأمل في مسيرة المرأة بين ضفتي الانتماء: جذورٌ ضاربة في تاريخٍ عريق، وآفاقٌ مفتوحة في مجتمع تعددي يقوم على القانون وتكافؤ الفرص.

أولاً – المرأة في تجربة الاغتراب: عماد الاستقرار وحارسة الهوية

في مسيرة الهجرة اللبنانية إلى أستراليا، لم تكن المرأة مجرد مرافقة لمسار اقتصادي أو اجتماعي، بل كانت شريكًا حقيقيًا في تثبيت العائلة، وحفظ اللغة، وصون التقاليد، وفي الوقت نفسه الانفتاح على قيم المجتمع الأسترالي القائمة على المساواة وسيادة القانون.

هي الأم التي ربّت أجيالًا حملت في قلبها لبنان، وفي عقلها أستراليا.
هي العاملة والطبيبة والمعلمة وسيدة الأعمال التي أسهمت في بناء هذا الوطن الجديد، دون أن تتخلى عن انتمائها الثقافي.

لقد أثبتت التجربة أن تمكين المرأة في الاغتراب ليس ترفًا فكريًا، بل شرط استقرار عائلي واجتماعي. فالمرأة المتعلمة، المستقلة اقتصاديًا، والواثقة بذاتها، قادرة على أن تكون جسرًا حيًا بين ثقافتين، وأن تحوّل التنوع إلى قوة لا إلى تناقض.

ثانياً – التمكين في السياق الأسترالي: فرصة ومسؤولية

يعيش أبناء الجالية في دولة تُعدّ من النماذج المتقدمة في ترسيخ حقوق المرأة والمساواة في الفرص. غير أن الاستفادة من هذا الإطار القانوني والمؤسساتي تتطلب وعيًا مجتمعيًا داخليًا يُواكب هذه القيم.

فالتمكين يبدأ بالتعليم النوعي، وبالدفع نحو مشاركة أوسع للمرأة في مجالات القيادة والقرار، سواء في المؤسسات الأسترالية أو في مؤسسات الجالية نفسها.

كما يتطلب مراجعة هادئة لبعض الصور النمطية التي قد تنتقل معنا من بيئاتنا الأصلية، دون أن تتلاءم مع واقعنا الجديد. فالحفاظ على الهوية لا يعني تجميدها، بل تطويرها بما يخدم كرامة الإنسان — رجلًا كان أم امرأة.

ثالثاً – بين الانتماءين… تكتمل الرسالة

في العمق، يبقى يوم المرأة العالمي دعوة إلى التوازن.
توازن بين الأصالة والتجدد،
بين الجذور والاندماج،
بين الخصوصية الثقافية والقيم الإنسانية المشتركة.

فالمرأة اللبنانية–الأسترالية ليست صورة منقسمة بين عالمين، بل هي تجربة غنية تجمع بين قوة الانتماء وفضاء الحرية.

إن تمكينها ليس مطلبًا فئويًا، بل استثمار في مستقبل الجالية كلها.
فكلما ارتفع مستوى مشاركة المرأة في التعليم والاقتصاد والعمل العام، ارتفعت معه صورة الجالية، وتعزز حضورها الإيجابي في المجتمع الأسترالي.

الأوطان، أسواء كانت أرض الميلاد أو أرض الإقامة ، لا تُبنى بنصف طاقتها. والجاليات لا تزدهر إذا همّشت نصف قدراتها.

رابعاً – السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في هذه المناسبة:
هل نريد للمرأة في جاليتنا أن تبقى في إطار الدور التقليدي فحسب، أم نريد لها أن تكون شريكة كاملة في صياغة مستقبل أبنائنا ومؤسساتنا؟

فالمرأة ليست قضية عابرة.
هي قضية وعيٍ حضاري.
قضية عدالة.
قضية مستقبل.

وحين نحتفل بها في المهجر، فإننا لا نحتفل فقط بإنجازاتها، بل نحتفل بنضج جاليتنا، وبقدرتنا على أن نحمل أفضل ما في تراثنا، ونُضيف إليه أفضل ما في واقعنا.

#ARAB_NEWS_NEWS_WORLD#
Translate »