|
الإثنين، الموافق ٠٨ مارس ٢٠٢١ ميلاديا

العرب نيوز ( قراءات ) كتب د. خالد محمد باطرفي قال الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود: “جعلت سنتي ومبدئي أن لا أبدأ أحداً بالعدوان، بل أصبر عليه وأطيل الصبر، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً، وأتمادى بالصبر حتى يرميني البعيد والقريب بالجبن والضعف، حتى إذا لم يبق للصبر مكان، ضربت ضربتي فكانت القاضية”. وقال شهيد القدس الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود: “اصبر، اصبر، اصبر. فإذا غضبت فلا ترض!”.

وأخيراً، عرف خصوم بلاد الحرمين، أن للصبر حدوداً. وأدركوا مفهوم “اتق شر الحليم”. ففي مؤتمر “حوار المنامة” المنعقد بداية الأسبوع، اكتشف الإسرائيليون أن ترفّع السعودية عن أكاذيبهم المسرّبة الى وسائل الإعلام بشأن الموقف السعودي من القضية الفلسطينية، لم يكن بلا ثمن. ولعل وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي لم يكن يتوقع أن يستخدم الأمير تركي الفيصل، رئيس مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، منصة المؤتمر ليذكّر إسرائيل بما هي عليه قوة استعمارية عنصرية “غربية” دخيلة، وأن جرائمها ضد الفلسطينيين لن تمر بلا حساب، وأن أكاذيبها التي تمررها عبر شبكاتها الإعلامية في الغرب ضد المملكة مكشوفة ومحسوبة.

وكرر الأمير في المؤتمر ما سبق أن قاله في مناسبات عديدة لعل أشدها عنفاً مقابلته مع الـ”سي ان ان”، عندما وبّخ الإعلام الغربي لتكذيبه القيادات السعودية التي لم يألف العالم منها الكذب، كالملك سلمان ووزراء خارجيتها، وتصديقه من كذب على شعبه ويحاكم اليوم على ذلك، كرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصفه بـ”الكذاب”، مؤكداً، من جديد، أن موقف ملوك السعودية منذ الملك المؤسس وحتى الملك سلمان ما زال على العهد مع الشعب الفلسطيني وتجاه إسرائيل لاحتلالها الأراضي العربية واضطهادها سكانها ورفضها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومبادرات السلام، وآخرها المبادرة العربية. وهي المبادرة التي قدمتها السعودية في القمة العربية في بيروت عام 2002 وتبنتها الدول الأعضاء بالإجماع، والقائمة على القرارات الدولية بحل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، واستعادة الأراضي المحتلة ومن بينها الجولان، وحل مشكلة اللاجئين باعتبارها الخيار الوحيد أمام إسرائيل، إن كانت تريد السلام حقاً.

وعندما حاول وزير الخارجية الإسرائيلي اللعب على وتر توحيد الصفوف والجهود في مواجهة إيران، رد عليه الأمير بأن على إسرائيل، إن أرادت هذه الوحدة التي تأتي من بوابة التطبيع، أن تكفّ عن النّفاق والادعاء أنها دولة ديموقراطية، مثالية، صغيرة، محاطة بوحوش توشك أن تفترسها، فيما تمارس الاضطهاد والاعتقال والاغتيال ضد الفلسطينيين، وأن تعيد لهم حقوقهم المشروعة، ولجيرانها أراضيهم المحتلة، وأن تسعى الى السلام معهم بصدق وحسن نية.

أدهشت هذه النبرة الحادة المراقبين، برغم أن ما جاء فيها يتوافق تماماً مع ما أعلنه الملك سلمان في أكثر من مناسبة، ومن بينها قمة القدس التي استضافتها المملكة بعد قرار ترامب نقل السفارة الأميركية الى القدس (2018)، والقمم الثلاث، العربية والإسلامية والخليجية، في مكة المكرّمة (2019)، وكلمته في افتتاح الدورة الأخيرة لمجلس الشورى (2020)، إضافة الى بيانات مجلس الوزراء ووزارة الخارجية خلال الأشهر الماضية.

ولعل ما فاجأ الإسرائيليين ومحور “المقاومة” والمشككين في الفصائل الفلسطينية والإخوانية، أن الأمير – السفير تركي الفيصل، برغم أنه لا يشغل أي منصب حكومي حالياً بعد تقاعده من رئاسة الاستخبارات العامة وسفارتي المملكة في لندن وواشنطن، اتسم عادة بدبلوماسية الطرح التي تعودها المجتمع الدولي من الساسة السعوديين. ونسوا أن أخاه الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية الراحل، كانت له مواقف مماثلة في ظروف مماثلة، كتصريحاته ضد الغزو الأميركي للعراق (2003) ورده على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى القمة العربية في شرم حول الشأن السوري (2015). وكذا كان لنجوم الدبلوماسية السعودية من الأمير بندر بن سلطان في مناظراته الشهيرة مع الإعلام الغربي ومقابلته الأخيرة على “العربية”، الى الوزير عادل الجبير، الذي عرف بالردود الهادئة القاتلة، كلما نفد الصبر، واستدعى الظرف والموقف روح “الضربة القاضية” التي عبّر عنها الملك المؤسس.

ردود الفعل على تصريحات الأمير تركي على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر مدى قوة تفاعل الجماهير العربية مع القضية الفلسطينية وموقفها منها. فالمسجد الأقصى قضية إسلامية، واحتلال فلسطين والجولان قضية عربية، ومحاولة نتنياهو وحكومته الالتفاف على المبادرة العربية، والتفاوض مع غير أصحاب الأرض في مصيرها، لن يجدا من السعودية، حاملة راية التضامن الإسلامي، وصاحبة المبادرة العربية للسلام، ومن أشقائها في الخليج والعالم العربي، غير الرفض القاطع، حتى من الدول التي اختارت التطبيع. ولعل في إصرار الإمارات على شرط عدم ضم أراض في الضفة الغربية، ورفض البحرين استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية تأكيداً لذلك الموقف الثابت.

أحلام إسرائيل الوردية استيقظت أخيراً على جرس الغضب السعودي. لفلسطين تحية.

المصدر : النهار العربي


Translate »