أمين عام دار الفتوى العلامة د.سليم علوان الحسيني : ” الإجماع والبدعة الحسنة والاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم
العرب نيوز ( سدني – استراليا ) خطبة الجمعة 14 آب 2026 -لإمين عام دار الفتوى في استراليا العلامة د.سليم علوان: إنَّ الحمدَ لله نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا محمَّدًا عبدُهُ ورَسولُهُ وصفيُّهُ وخَليلُهُ مَنْ بَعَثَهُ الله رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومبشّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنِهِ وسِراجًا مُنيرًا، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانة ونَصَحَ الأمَّةَ، فجزاهُ الله عنّا خيرَ ما جَزَىَ نَبِيًّا مِنْ أنبِيائِهِ، صلواتُ الله وسلامُهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أَرسَلَهُ.
وبعدُ عبادَ الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العَلِيِّ القديرِ القائلِ في محكم كتابه:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾”.
إخوةَ الإيمان دلَّتْ هذه الآيةُ الكريمةُ على أنَّ مَن أرادَ النجاةَ عليه أن يلتزمَ سبيلَ المؤمنين، أي ما أجمعَ عليه علماءُ المسلمين، وأنَّ مَن أعرضَ عن ذلك فجزاؤُه جهنمُ وبئسَ المصير، وجاءَ في الحديثِ الموقوفِ عن الصحابي الجليلِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ أنه قال: ما رءاه المسلمونَ حسنًا – أي أجمعوا على أنه حسن – فهو عندَ الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحًا فهو عندَ الله قبيح “اهـ.
ومِنْ جُمْلَةِ ما استَحسنَتْهُ الأُمَّةُ أيها الأحبة وأجمعتْ على مشروعيَّتِه الاحتفالُ بذِكرى ولادَتِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ مِنَ الطاعاتِ العظيمةِ التي يُثابُ فاعِلُها لِما فيهِ مِنْ إِظْهارِ الفرَحِ والاسْتِبْشارِ بِمَوْلِدِهِ الشريفِ، وَهُوَ وإن لم يكُنْ في زمنِه صلى الله عليه وسلم فهو مِنَ البِدَعِ الحسنَةِ التي اتّفقَ علماءُ الأُمَّةِ على جوازها، وأولُ ما حدثَ هذا الاحتفالُ في أوائلِ القرنِ السابعِ مِنَ الهجرةِ، أحدثَه ذلك التقيُّ العالم المجاهدُ الملكُ الْمُظَفَّرُ مَلِكُ إِرْبِل، وجمعَ لهذا كثيرًا منْ علماءِ عصره فاستَحسَنوا فعلَه ومدحوهُ ولم يُنكروه وهكذا العلماءُ بعدهُم أيها الأحبةُ لم يُنكِرْ عمَلَ المولد أحدٌ منهم، بل ألّفَ فيه الحافظُ ابنُ دِحيةَ وغيرُه، واستحسنَ عملَه الحافظُ العراقيُّ والحافظُ ابنُ حجرٍ والحافظُ السيوطيُّ وغيرُهم، حتى ظهرَ في القرنِ الماضي جماعةٌ مِنَ المجسمةِ، نفاةِ التوسلِ، فأنكروا فعلَ المولد إنكارًا شديدًا، أيْ أنكروا ما اسْتَحْسَنَتْهُ الأُمَّةُ جمعاء لِعُصورٍ متتاليةٍ، وَزَعَمُوا بِجَهْلِهِم وَجُرْأَتهم على الدِّين أنه بدعةُ ضلالة، واستدلُّوا بحديثٍ وضَعُوه في غيرِ موضعِه، وهو حديث ” كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ” اهـ وأرادوا أن يُموِّهُوا به على الناس. وهذا الحديثُ صحيحٌ لكنَّ معناه غيرُ ما زَعَمُوا. إنما معناه أنَّ ما اسْتُحدِثَ بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو بدعةٌ غيرُ حسنةٍ إلا ما وافقَ الشرعَ فإنه لا يكونُ مذمومًا. فكلمة ” كلّ ” يُرادُ بها هنا الأغلبُ لا الجميع بلا استثناء، كما في قولِه تعالى في الريح:” تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّـهَا ” ولم تُدَمّرِ الأرضَ ولا الجبال. وصحَّ في صحيحِ مسلمٍ وغيره أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:” مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُها وأَجرُ مَنْ عَمِلَ بِها بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجورِهِمْ شَىءٌ”. ولذلك قال الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه:” البِدعةُ بِدعتان، محمودةٌ ومَذمومةٌ، فمَا وافقَ السُّنَّةَ فهو محمودٌ وما خالفَها فهو مذمومٌ” اهـ رواه عنه الإمامُ البيهقيُّ وغيرُه.
ثم كيفَ يا أهلَ الفَهم يقولُ هؤلاءِ المحرومونَ عنِ اجْتِماعِ المسلمينَ على قراءةِ القُرءانِ وذِكْرِ الرَّحمنِ ومَدْحِ محمَّدٍ سيِّدِ الأكوانِ مِـمّا شَرَعَه الله والرسولُ وتَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبولِ إنه بدعَةُ ضَلالٍ؟! وكيف يجرُؤون على ذلك ؟! ألم يسمَعُوا قولَه تعالى :” فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءانِ”، وقولَه عزّ وجلّ: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا”، ألم يَرِدْ مَدحُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام في القرءانِ الكريم فقال اللهُ عزَّ من قائلٍ عن حبيبِه المصطفى صلى الله عليه وسلم :” وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ”، وقال سبحانه عنه أيضًا:” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ”، ثم أيها الأحباب ألم يَجِئْ في السُنَّةِ المطهَّرةِ أيضًا ما يدلُّ على مَدْحِهِ عليه الصلاةُ والسَّلامُ جَماعةً وفُرادَى بدُفٍّ ومِنْ غَيرِ دُفٍّ في المسْجِدِ وخارِجَهِ، أليس ثَبَتَ في الحديثِ الصحيحِ أنَّ أشخاصًا مِنَ الحَبَشَةِ كانوا يَرْقصُونَ في مسجِدِ رسولِ الله ويَمْدحونَهُ بِلُغَتِهم فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يَقولُونَ؟ فَقيلَ لهُ: إِنَّهُمْ يقولون: ” محمَّدٌ عَبْدٌ صالِحٌ ” فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهم صلى الله عليه وسلم ذلكَ. أليس قال العبَّاسُ بنُ عبدِ المطلِبِ عمُّ النبيّ صلى الله عليه وسلم له: ” يا رسولَ اللهِ إنّي امتَدَحْتُكَ بِأبياتٍ ” فقالَ رسولُ الله: قُلْهَا لا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ، فأنشَدَ قصيدةً أَوَّلها:
مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حينَ يُخْصَفُ الوَرَقُ
وفي ءاخِرِها
وأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ وضَاءَتْ بِنورِكَ الأُفُقُ.
فَمَا مَنَعَهُ رَسولُ اللهِ ولا نَهَاهُ ولا قالَ لَهُ حَرامٌ أنْ تَمْدَحَني، بَلِ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ ودَعا لَهُ بِأَنْ تَبْقَى أَسنانُهُ سَلِيمةً، فَحَفِظَها اللهُ لهُ بِبَركَةِ دعاءِ النبيِّ الأعظَمِ صلى الله عليه وسلم، حيثُ تُوُفِّـيَ العباسُ في خِلافةِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنهُما وهُوَ ابنُ ثَمانٍ وثمانينَ سنةً ولَمْ يَسْقُطْ لَهُ سِنٌّ ولا ضِرْسٌ.
واسمَعوا أيها الإخوة ماذا قال الحافظُ السيوطيُّ عندما سُئل عن عملِ المولد الشريف في رسالة سمَّاها “حُسْنُ المقصِدِ في عَمَلِ المولد” قال- واسمعوا جيدًا – :” أصلُ عملِ المولدِ الذي هو اجتماعُ الناس وقراءةُ ما تيسَّرَ مِن القرءان وروايةُ الأخبارِ الواردة في مَبدإِ أمرِ النبيِّ وما وقعَ في مولدِه مِنَ الآيات، ثمَّ يُمَدُّ لهم سِماطٌ يأكلونَه ويَنصرفونَ مِنْ غيرِ زيادة ٍعلى ذلك هو منَ البِدَعِ الحسَنَةِ التي يُثابُ عليها صاحبُها لِمَا فيه مِنْ تَعظيمِ قَدْرِ النبيِّ وإظهارِ الفرحِ والاستبشار بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم.” اهـ
فلا يُهَوِّلَنَّكُمْ عِبادَ الله رَحِمَكُمُ اللهُ كلامُ نُفاةِ التوسلِ المحرومينَ مِنْ محبَّةِ نبيِّنا رسولِ ربِّنا عليه أفضلُ الصلاةِ والتسليم، الذين يزعُمونَ أنَّ أجدادِي وأجدادَكم وأسلافي وأسلافَكم وأسلافَ المسلمين كلَّهم بما فيهم علماءُ الدِّين في كلِّ أرجاءِ المعمورة كانوا على ضلالٍ في احتفالهم بالمولدِ الشريفِ حتى جاءُوا هم فَعَرَفُوا الحق. هؤلاءِ جاهلونَ بالخالقِ تعالى، محرومونَ مِن محبَّةِ النبيِّ الكريم عليه أفضلُ الصلاةِ والتسليم، لا تَغتَرُّوا بشُبَهِهِم، ولا تَلْتَفِتُوا إلى إنكارهم.
اِحتفِلوا بالمولدِ الشريف واقرأُوا القرءان، واقرأُوا ما حصلَ عند مولدِه وما ظهرَ منَ الآيات الباهراتِ
وامدحُوه بحسنِ النيةِ وعَظِّموا قَدْرَه ولا تُبالوا بـِمُنْكِرٍ أو جاحِد .
هذا النَّبِيُّ محمَّدٌ خَيْرُ الوَرَى ونَبيُّهُمْ وبِهِ تَشَرَّفَ ءادَمُ
هُوَ في الْمَدينَةِ ثَاوِيًا بِضَريحِهِ حَقًّا وَيَسْمَعُ مَنْ عَلَيْهِ يُسَلِّمُ
وإذا توسَّلَ مُسْتَضَامٌ بِاسْمِهِ زالَ الذي مِنْ أَجْلِهِ يَتَوَهَّمُ
صَلَّى عليْهِ اللهُ جلَّ جلالُهُ ما راحَ حَادٍ باسْمِهِ يَتَرَنَّمُ
هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُمْ.
