|
الإثنين، الموافق ٠٢ أغسطس ٢٠٢١ ميلاديا

عينية الوجع العربي مشروع يتحدى الواقع


العرب نيوز ( رؤوس – أقلام ) بقلم الدكتور صالح الطائي – في كنف الفوضى الخلاقة التي تعيشها بلداننا العربية، وحالة اليأس الذي استشرى في النفوس بعد الهزائم المتكررة التي منيت بها المشاريع القومية والوحدوية منذ النصف الثاني من القرن العشرين ولغاية هذه الساعة، وبعد سقوط وتبدل الأيديولوجيات العالمية والمحلية، وغياب الرموز القيادية ذات الكاريزما المؤثرة، وبعد تغير القناعات، والتحول المهول في الاعتقادات، بما أدى إلى أن يتحول الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق مقرب، وبعد أن سقطت كل الشعارات التي ناضلنا من أجلها على مدى قرن من الزمان، وبعد التحلل الذي ظهر على أرض واقع اعتقادنا الديني وتراثنا وقيمنا الموروثة؛ بعد كل ذلك لم يعد أمامنا ونحن نعيش أواخر عمرنا سوى الشعور باليأس القاتل، بالهزيمة المرة في داخلنا، بفقدان كل ما عملنا من أجله لعدة عقود، وما تحملنا بسببه التعنيف والتعذيب والاعتقال والسجن المتكرر.
في هذه الفوضى النفسية والروحية العارمة لم نجد أمامنا سوى التحدي طريقا ممتدا نحو الأفق البعيد، لا من أجل المساومة على المبادئ، ولا للكسب الرخيص، وإنما كمحاولة جادة منا لإحياء بعض موروث الزمن الجميل، لكي نذكر رفاقنا القدماء بما عملوا من أجله سنينا طويلة، ونذكر الأجيال الصاعدة بواقعهم الحقيقي وأصولهم الثابتة؛ بعد أن أضاف الفضاء السبراني نفسه إلى مجموع المسببات القديمة الأخرى، ليسهم لا في تقريب الأخ من أخيه، ولا من أجل الاهتمام بمنظومات القيم والأخلاق واحترام الإنسانية، وإنما من أجل الترويج لثقافة القطيعة والصد، والترويج للتهريج الساذج والاستهزاء بالقيم والمثل.
ومن المؤكد أن المشاريع التي نحلم بتنفيذها سوف تلاقي كافة أنواع الاعتراض الذي قد يصل إلى حد التهديد بالموت،لكننا لكوننا استوطنا الموت، وصادقناه وزاملناه طوال أعمارنا، لم نهتم لما يمكن أن يعترض سبلنا، فبدأنا البحث عن أيقونة ممكن أن تجمع الأمة على وهج نورها، فأطلقنا في بداية عام 2020 مشروعاً لبناء قصيدة عربية مشتركة من بحر الوافر، يهتم موضوعها بحال الأمة، يسهم في كتابتها شعراء من جميع بلداننا العربية، بعد أن وضعتُ لها مطلعا غير مصرَّعٍ، قلتُ فيه:
حذار من الهدوء إذا تفشى فعند الفجر قارعة تثور
ومع كل الإحباط الذي يشعر به العرب من جراء ما يمرون به من تشظ وتفرق وتباغض وتباعد، كانت النتائج إعجازية بحق بعد أن اشترك شعراء من الأعم الأغلب من أقطار الوطن الكبير، زاد عددهم على ستمائة مشارك، تراوحت مشاركاتهم بين القوية جدا والقوية والمتوسطة والضعيفة، وبعد الفحص والتدقيق وحذف المتشابه خرجنا بمحصلة هي الأولى من نوعها في التاريخ كله، تمثلت باشتراك (139) شاعراً بكتابة قصيدة من الوافر وقافية الراء، كادت رغم طولها أن تكون خالية من الإيطاء.
ونظرا لنجاح المشروع بكل مفاصله، حولنا القصيدة ومقدماتها الطويلة التي كتبتها بقلمي ومعها إحصاءاتها إلى كتاب، طبع في طبعته الأولى في دار الوطن للطباعة والنشر في المملكة المغربية الشقيقة تحت عنوان (قصيدة وطن)، وفي طبعته الثانية في دار المتن في بغداد، وقد نال الكتاب استحسان الأدباء والنقاد.
ثم لما عادت التفجيرات الإرهابية تشوه وجه بغدانا الحبيبة وتروع أهلها، بعد هدوء مشوب بالحذر، امتد لأشهر طويلة، أطلقنا في بداية عام 2021 مشروع بناء قصيدة جديدة مقاربة في مواصفاتها العامة للقصيدة الأولى، ولكنها من بحر البسيط وقافية العين الممدودة، وضعتُ مطلعها، وقلتُ فيه:
يا قلبَ بغدادَ يا من تنزفُ الوجعا ما حال بغدادنا؛ والجرحُ هلْ هجعا
وكانت غايتنا النجاح في بناء قصيدة عربية مشتركة تدين العنف والإرهاب والطائفية والكراهية، وتدعو إلى احترام الإنسان ونصرته، وزرع المحبة في الكون، ومثلما انتخى شعراء الأمة في المشروع الأول، كانت نخوتهم لا تقل روعة عن سابقتها، بل فاقتها عدة وعدداً وتنوعا وجغرافية، إذ وصلتنا لحد الآن مشاركات من أغلب الأقطار العربية، ووعود بالمشاركة من أقطار أخرى مثل موريتانيا وأرتيريا والصومال؛ التي لم تشارك في المشروع الأول، ولا زالت المشاركات تنهال علينا من كل أرض العرب باستثناء البلدان نفسها التي أبت أن تشترك في المشروع الأول لغاية في نفس شعرائها وحكامها ومناهجها الحياتية.
إن اشتراك العرب بعمل أدبي كبير لا شبيه له في التاريخ الإنساني كله، ولا سابق له، لا يأتي لتأكيد هويتهم الجمعية فحسب، فذلك أمر مفروغ منه، وإنما يؤكد أيضا أن كل التخريب الذي مورس لم ينجح في فصل العرب عن بعضهم ووقف اهتمامهم بقضاياهم المصيرية المشتركة، وقد أثبت شعراء الأمة هذه الحقيقة المغيبة من خلال كم المشاركات ونوعيتها ومدى جديتها. ونحن هنا لا نعتب على من أبى وامتنع بقدر كوننا نرغب بحثهم للتنازل عن القناعات الموروثة المبتدعة بسبب حماقات الحكام، وندعوهم إلى العمل ضمن الفريق الواحد، لا سعيا وراء القطعنة، بل سعيا وراء التجمع والمحبة والوئام، فالعالم غير مستعد الآن لقبول ثقافة الكراهية، حتى ولو على مستوى الأفراد، وهو غير مستعد لنشر ثقافة القطيع وسلب الإرادة أيضا، فالحرية هي الخيار الأمثل للآدمي.
وبعد اكتمال عدد المشاركات سنقوم بمهمة التدقيق والفحص والانتقاء والربط، لنصنع أجمل قصيدة مشتركة في التاريخ، ولاسيما وأن هناك دراسة بقلمي تحدثتُ فيها عن: شعر القضية وقضية الشعر، الأسس التراثية للاشتراك، المشروع المجازف، شراكة الشعر والقصيدة المشتركة، لماذا المشاريع المشتركة؟ آلية بناء القصيدة والمشروع، سوف تتصدر هذه الدراسة كتاب القصيدة؛ الذي سيطبع في طبعته الأولى في دار الوطن للطباعة والنشر في المملكة المغربية الشقيقة أيضاً، وفي طبعته الثانية في سوريا، وقد أبدى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق رغبته في المشاركة بالمشروع وطبع كتاب القصيدة في بغداد وتوزيعه على فروعه.
مع كل هذا، هناك مشكلة عانينا منها في مشروعنا الأول، ونعاني منها الآن في مشروعنا هذا وهي قلة الدعم الذي نتلقاه، ولاسيما الدعم الإعلامي والترويج للمشروع لتتاح الفرصة للشعراء أن يطلعوا عليه، ولذا نأمل أن نحظى بدعم الجميع عسى أن ننجح في مشروعنا ونحقق أمنية على مستوى أمتنا بأن تتوحد القلوب والعقول لتصنع مشروعا مشتركا تتركه لأولادها وأحفادها، يُكذِّب مزاعم الفرقة التي يروج لها الأعداء في الداخل قبل الخارج.
ولمن يحب الاشتراك من إخوتنا شعراء المملكة المغربية العزيزة، يمكنه إرسال مشاركته على عنواني البريدي الظاهر أسفل الموضوع.


Translate »