|
الأحد، الموافق ٢٨ نوفمبر ٢٠٢١ ميلاديا

د. عبد الاله بلقزيز :«الآخر» الداخلي – في العنصرية


العرب نيوز (رؤوس – أقلام ) بقلم د. عبد الاله بلقزيز – قد يكون مبنى النزعة العنصرية على فكرة وطنية ضيقة (شوفينية)، بَيّنة الاختلاط بفكرة ثقافية استعلائية (مركزية ذاتية)؛ وعندها تتبدى العنصرية مسلكاً سياسياً مشدوداً إلى هدف السيطرة أو الهيمنة لغالب متفوّق ومتقدم على مغلوب دونَه تفوقاً وتقدماً؛ كما قد تكون مشدودة إلى هدف نظير هو فرضُ قيم الغالب على المغلوب ومعاييره ونُظمه. وهذا الضرب من العنصرية ذات القاع الشوفيني- الاستعلائي هو ما شهدنا عليه، ونشهد، في علاقات دول الغرب وأنظمته الحاكمة بأمم وشعوب ودول أخرى خارج الغرب، لا تقاسمه سياساته ومنظومات قيمه، وتبدو له دونيتها الحضارية والثقافية في الوقت عينه – ملحوظة في منظور التفوق لديه.
ولكن قد يكون مبناها على أساس ثقافي- ديني أيضاً. وفي الحال هذه، لا يكون «الآخر»، دائماً، برّانياً: يقع خارج المجال الجغرافي والاجتماعي؛ بل قد يكون داخلياً؛ منتمياً إلى الدائرة الوطنية أو القومية عينِها، أي – في الحالة التي نتناول- إلى بلدان الغرب نفسها. ها هنا لا يتحدد الآخر المختلِف بمحددات كيانية سياسية (وطنية) متخارجة متفاصلة؛ بل يتحدد بأخرى تُمَايِز، داخل الداخل الاجتماعي نفسه، بين «ماهيات» متمايزة: ثقافية ودينية في المقام الأول. تنتقل النزعة العنصرية، هنا، من حيث تُقرأ في تحدداتها الهويوية الوطنية والقومية (الشوفينية) إلى حيث تُقرأ في مبانيها الهويوية الصغرى والفرعية: الثقافية والدينية. وعند هذه العتبة، تَكف العنصرية عن أن تكون أيديولوجيا وطنية ضيقة لتصير أيديولوجيا أنثروپو- ثقافية مغلقة مبناها على تقسيم الجماعة الوطنية الواحدة إلى هويات متمايزة وتفريق ما تجمعه القوانين بينها.
هذه، مثلاً، هي العنصرية التي يلقاها المهاجرون من بلدان الجنوب إلى بلدان الغرب من قِبل دول الغرب ومجتمعاته، ويعانون أثقالها أشد المعاناة. ولا يتعلق الأمر في هؤلاء المنكوبين بها بمن يقيمون في تلك البلدان، بمقتضى عقود عمل، أو قصد الدراسة والتكوين، أو بمن يقيمون بها إقامة غير قانونية؛ أي لا يتعلق الأمر، فقط، بمن يمكن «تبرير» العنصرية ضدهم بكونهم ليسوا من مواطني تلك الدول، وليسوا ممّن يمكنهم أن يتمتعوا بالحقوق عينِها التي يتمتع بها مواطنوها؛ بل نُكِب بها مهاجرون آخرون باتوا مواطنين في تلك الدول منذ جيليْـن أو ثلاثة، واندمج أبناؤهم وأحفادهم في مجتمعاتها إلى حدود بعيدة.
تتفاوت درجات العنصرية تجاه المواطنين في الغرب، من غير ذوي الأصول الغربية، من بلد إلى بلد؛ كما تختلف الفترات الزمنية التي يشتد فيها التعبير عن تلك العنصرية ضدهم أو يتراجع ويَفتر. والغالب عليها أن معدلها يعلو مع كل تأزم سياسي أو اجتماعي داخلي، أو مع كل صدام يحصل بين الدولة التي يحملون جنسيتها وبلدانِهم الأصل. وليس من تَزيّد في القول إن أشد المعرّضين لها، في الأعم الأغلب من بلدان الغرب، هم المواطنون المنحدرون من أصول عربية وإسلامية، لا لسبب إلا لأنهم من هذين المَحْتِدَين اللذين لا تتحمّلهما ثقافة متمركزة على ذاتها، ومزدحمة بالصور النمطية السلبية – الموروثة والمُعاد إنتاجها – عن العرب والإسلام.
بالقدر عينه من التفاوت، تتفاوت درجات تلك العنصرية ضد المهاجرين من فئة اجتماعية إلى أخرى. ترتفع أكثر حين يتعلّق الأمر بفئات كادحة كالعمّال، وتَهبط كلّما تعلق الأمر بأطر عليا ذات كبير منفعة؛ مثل رجال الأعمال والعلماء وأساتذة الجامعات. مَن يعرف، على التحقيق، الأوضاع الاجتماعية البائسة التي يرزح فيها العمال العرب والأفارقة في بلدان مثل فرنسا، وبريطانيا، وهولندا، وإيطاليا، وإسبانيا… واضطرار العديد منهم للعيش في أحياء هامشية، مثل الغيتوهات، يدرك إلى أي حد يلحق هؤلاء المهاجرين تمييز عنصري مضاعَف على أساس مكانتهم الاجتماعية في مَواطنهم الجديدة. وليس معنى ذلك أن ذوي الامتياز منهم، ممّن يملكون الرأسمال العلمي والرأسمال المادي، في غير عرضة لأفعال عنصرية؛ فهم، أيضاً، موضوع لها خاصة إن تمسكوا بقضايا أوطانهم الأصل فواجهوا حملات الدوائر العنصرية على تلك الأوطان مواجهة مباشرة.
إذا كانت عنصرية دول الغرب ومجتمعاته تجاه قسم من مواطنيها، من ذوي أصول غير عربية ومن معتنقي ديانات أخرى غير المسيحية واليهودية، تفضح شيئاً فهي تفضح هشاشة قيم الغرب السياسية المواطنية التي يدعيها، فيما هو لا يطبقها تطبيقاً كاملاً؛ وتفضح تمركزه الذاتي على نفسه وعلى قيمه؛ التمركز الذي يدفعه إلى حسبان نفسه سيد البشرية الأعلى الذي يحق له وحده فرض القيم والمعايير على الإنسانية كافة. وما أغنانا عن القول إن ادعاء احترام الاختلاف واحترام قيم الاعتراف يتبخر، تماماً، أمام كل وعي مسكون بعقيدة التفوق والتمركز الذاتي.

#العرب_نيوز ” أخبار العرب كل العرب “


Translate »